عبد الرحمن بدوي
41
الأفلاطونية المحدثة عند العرب
محدث . وذلك أن كل حادث فعن شئ ما يحدث قد كان فيما تقدم غريبا ، فيجب أن يكون شئ ما غريبا عن الكل ، ويكون هذا خارجا عن هذا الحادث . ويلزم من ذلك أن يكون شئ خارج عن الكل كان قبل أن يحدث الكل غريبا عن الكل . وإن كان ذلك ، فللكل ضدّ ما عنه حدث ، غير أن الأضداد يحدث بعضها من بعض ويتغير بعضها إلى بعض ، ولها طريقان إذ كانا بين شيئين على ما بيّن أفلاطون في كتابه المنسوب إلى « فادن » « 1 » بأقاويل كثيرة : من أن كل واحد من الضدين ينتقل إلى صاحبه كيلا تكون الطبيعة منقوضة . ولعمري أنّ « لا مرتب على نظام » مقابل لل « مرتب على نظام » « 2 » . ولو كان ذلك على طريق العدم والملكة ، وقد نقل من عدم إلى ملكه ، فذلك أن المعنى الأول أبعد في الإمكان والقدرة ، ومن قبل ذلك صارت أصناف من العدم لا تنتقل إلى ملكة . فإذا كان ذلك الذي هو أبعد من الإمكان قد كان ، فبالحرىّ كون ما هو أقرب إلى الإمكان حتى ينتقل المنظوم إلى لا منظوم ، ويكون ذلك جاريا مجرى الطبيعة وعلى مشيئة اللّه تعالى . وذلك أن الفاعل لما هو أبعد في الإمكان فأجر به أن يفعل ما هو أقرب في الإمكان . فإن كان هذان ضدّين ، فسبيلهما سبيل سائر الأضداد كلها ؛ فيجب من ذلك أن يكون الكل أيضا ينتقل إلى ضده الذي عنه كان . لكن قد تبيّن أنّ الكلّ غير فاسد ، فليس ينتقل إلى ضد له ، ويجب من ذلك ألا يكون حدث . فالكل إذا أزلي ، فإنه ليس يمكن أن يكون ضدان لأحدهما طريق إلى الآخر وليس للآخر طريق إليه . ولا يمكن في العدم والملكة أن يكون من العدم طريق إلى الملكة ، ولا يكون من الملكة إلى العدم طريق . وذلك أن في بعض الأشياء ليس طريق من العدم إلى الملكة ؛ وأمّا الضدان فلهما طريق من بعض إلى بعض على ما قال سقراط في الكتاب المنسوب إلى « فادن « 3 » » . فيجب من ذلك إما الّا يكون الكل غير فاسد ، وأحر به أن يكون غير حادث ؛ وإما الّا يكون « لا منظوم » مضادا لل « منظوم » ، أو كان « لا منظوم » عدما لل « منظوم » .
--> ( 1 ) راجع « فيدون » لأفلاطون : 70 - 71 ه . ( 2 ) ص : لكان كان ذلك . ( 3 ) في « فيدون » : 70 ه .