أبو الحسن العامري
439
رسائل أبو الحسن العامري
حفظ الصحة بالتدبير المحمود ، وإزالة العلّة بالرأي الصحيح . وكمال علم الطبيب أشرف من موضوعه ؛ وموضوع علم التنجيم أشرف من كماله . والصناعة محتملة للحيلة والزّرق كما أنها راجعة أيضا إلى الصحة والحذق . وقد يتفق في زرق الزارق صواب كثير كما يعرض في حذق الحاذق خطأ كبير . وللحيرة بين هذين الاتفاقين مجال ، وللمعترضين عليها مقال . وفصل الحال بين الرجلين صعب ، والخطب فيه مشكل . وليس للمصيب بالزّرق أن يجعل ذلك قاعدة وأساسا ؛ ولا للمخطئ أن يقطع الطمع منه يأسا . وإنما وقفت هذه الصناعة هذا الموقف ، وتدرّجت هذا التدرّج ، لأن اللّه تقدّس كما أراد بالعافية ، والبرء ، والسلامة ، والنجاة ، إنعاما وامتنانا ؛ كذلك أراد بالعلة ، والمرض ، والنكس ، اختبارا وامتحانا . ثم أشاع اللّه العلم بالطب [ تعليلا للطبيب بسبب رزقه منه ، وتعليلا للمريض بسبب تخفيفه عنه ] . وكلا الرجلين ، أعني المعافى والعليل ، إلى غاية مضروبة ، على أسباب محسوبة وغير محسوبة . ولو عافى اللّه - تبارك وتعالى - بالطبّ أبدا ، لاتخذ الناس الطبيب ربّا ؛ ولو لم ينفع بالطبّ أحدا ، لهجر الناس الطبّ هجرا ؛ بل جعله علالة مرة - مع إحصاء أيام العافية - وسببا للعافية مرة ؛ مع التنبيه على موقع النعمة ولذع النكبة . وكلّ هذا مردّه ومرجعه إلى أمر الدار ؛ وما أسست عليه ، ودبّر أهلها به ، وصرّف سكانها فيه ؛ فمن لم يفتح بصره ، لم ير ما فوقه ، ولا ما تحته ، ولا ما عن يمينه وعن يساره . كذلك من لم يسبح فكره في الملكوت سبحا ، ولم يسنح عقله في الغيب سنحا ، لم يطّلع على سرّ هذا الشاهد ، ومكنون هذا الجليّ ، وباطن هذا الظاهر ، ومعقول هذا الذي نمّ « 45 » عليه الحسّ ، وخفيّ هذا الذي وقع عليه الحدس . والمرض والعافية في الأبدان بمنزلة الغنى والفقر في الأحوال . والغنى والفقر في الأحوال بمنزلة العلم والجهل في القلوب . والعلم والجهل في القلوب بمنزلة العمى والبصر في العيون . والعمى والبصر في العيون بمنزلة الشكّ واليقين في الصدر . والشكّ واليقين في الصدر بمنزلة الغشّ والنصح في المعاملات . والغشّ والنصح في المعاملات بمنزلة الطاعة والمعصية في الأعمال . والطاعة والمعصية في الأعمال بمنزلة الحقّ والباطل في المذاهب . والحقّ والباطل في المذاهب بمنزلة الخير والشر في الأفعال . والخير والشر في الأفعال بمنزلة الكراهة
--> ( 45 ) ص : تمّ .