أبو الحسن العامري
440
رسائل أبو الحسن العامري
والمحبة في الطباع . والكراهة والمحبة في الطباع بمنزلة الوصل والهجر في العشرة . والوصل والهجر في العشرة بمنزلة الرداءة والجودة في الأشياء . والرداءة والجودة في الأشياء بمنزلة الصلاح والفساد في الأمور . والفساد والصلاح في الأمور بمنزلة الضعة والرفعة في المراتب . والضعة والرفعة في المراتب بمنزلة القبح والحسن في الصور . والقبح والحسن في الصور بمنزلة العيّ والفصاحة في الألسنة . والعيّ والبلاغة في الألسنة بمنزلة الاعوجاج والاستقامة في الأعضاء . والاعوجاج والاستقامة في الأعضاء بمنزلة الحياة والموت في الأجساد . والحياة والموت في الأجساد بمنزلة الشقاء والسعادة في العواقب . فما أحوج هذا الانسان ، بعد قيام هذه الأمور إزاء عينه ، وتجاه طرفه ، إلى يقظة بها يكيس في معاشه ، ومنها يقتبس لمعاده ، ويقتني ما يحمد ريعه وجدواه ، ويجتنب ما يصير سببا لشقائه في عقباه ! ؛ فباب الخير مفتوح ، وداعي الرشاد ملحّ ، وخاطر الحزم معترض ، ووصايا الأوّلين والآخرين قائمة ، ومزاجرهم موجودة ؛ والخوف عارض ، والأمن مظنون ، والسلامة متمنّاة . فما ذا ينتظر المرء اللبيب بنفسه ، بعد هذه الآيات المتلوّة ، والأعلام المنصوبة ، والحالات المتقبّلة ، والنعم المتقلّبة ، والأعمار القصيرة ، والآمال الكاذبة ؟ . أما يتعظ بغيره ؟ . أما يعلم أنه من جنسه ، ومحمول على تدبيره ، وأنه لا فكاك له ، مما لا بدّ من حلوله به ، من انحلال تركيبه ، واستحالة عنصره ، وانتقاله إلى حال بسيطة ، إن خيرا فخير « 46 » وإن شرّا فشر « 47 » ؟ . بلى يعلم ، ولكن علما مدخولا ، ويعقل ، ولكن عقلا كليلا ، ويحسّ ، ولكن حسا عليلا ، كما قال الأوّل : أشكو إلى اللّه جهلا قد منيت به * بل ليس جهلا ، ولكن علم مفتون « 48 » .
--> ( 46 ) ص : فخيرا . ( 47 ) ص : فشرا . ( 48 ) أبو حيان التوحيدي : المقابسات ، ص 177 - 180 .