أبو الحسن العامري

437

رسائل أبو الحسن العامري

آثار الحسّ خلعا لم يتحلّ بلبوس العقل تحلّيا . وإنما شقّ الإقرار بمعرفة حال النفس - بعد الموت - لأن الحسّ لم يساعد في تسليم ذلك بشهادة يسكن إليها ؛ وإن كان العقل قد استوضح ذلك بالأمثلة المضروبة في إقامة البيّنة عليها . وفي الجملة ، هذه المسألة عذراء صعبة ، وعجماء مشكلة . ولكنّ العقل ، الذي هو خليفة اللّه تعالى في هذا العالم ، يجول في هذه المضايق ، ويفتح هذه المغالق ، ويدفع هذه الموانع والعوائق . ولولا هذه الغاية المرموقة ، والحال المعشوقة ، بهذه الأوائل المشروحة ، والأبواب المفتوحة ، لكان اليأس يزهق الأرواح ، ويتلف الأنفس ؛ ولكان العالم ، بكل ما فيه من العجائب والآثار والشواهد ، كشيء لا حقيقة له ، ولا حكمة فيه ؛ وأنه شبيه بالعبث ، وليس له محصول ، ولا فيه شيء معقول . ولا حاجز بعد هذا البيان ، الذي غرّد حاديه ، وطرّب سامعه في هذا المكان ، إلّا قلّة الصبر على النظر ، وسوء العناية في طلب الحق ، وإيثار الراحة بالراحة ، وقطع أيام العمر بالتمنّي ، وتوجيه التهمة إلى الحق ، وتسليط الجدل على الاستبصار ، والاعتماد على البهت والوقاحة . والا فانّ الحقّ معرض لك ، بل نازل عليك ، بل حاضر عندك ، بل متحكّك بك ، بل موجود فيك . وإنما تؤتى من جفائك في الطلب وسوء العناية في التحرّي لا من تواري الحقّ عنك ، ولا اشتباهه عليك . وليس مع الجفاء والعنف وصول إلى الحقّ ؛ ولا مع اللطف والرفق يأس من الحقّ . والحقّ أسبق إليك منك ، وأعطف عليك ، وأرأف بك منك به ، وأظهر فيك منك فيه « 40 » . ثالثا - [ قوى النفس ] إنّ المغمّض من أرباب الحكمة يدرك بفكره ما لا يدرك المحدّق ببصره من غير فهم . وذاك أن الحسّ محطوط عن سماء العقل ؛ والعقل مرفوع عن أرض الحس . فمجال الحسّ في كلّ ما ظهر بجسمه وعرضه ، ومجال العقل في كلّ ما بطن بذاته وجوهره . والحسّ ضيّق الفضاء ، قلق الجوهر ، سيّال العين ، مستحيل الصورة ، متبدّل الاسم ، متحوّل النعت . والعقل فسيح الجو ، واسع الأرجاء ، هادئ الجوهر ، قارّ العين ، واحد الصورة ، راتب الاسم ، متناسب الحلية ، صحيح الصفة . والفكر من خصائص النفس

--> ( 40 ) أبو حيان التوحيدي : المقابسات ، ص 118 - 119 . ونخمّن أن يكون هذا النص مستمدا من كتابه « العناية والدراية » لأنه شرح لمذهب أرسطو في المعرفة .