أبو الحسن العامري
434
رسائل أبو الحسن العامري
وقد يكون واحدا بالموضوع والحدّ بمنزلة السيف والصمصام . وقد نقول أشياء تكون واحدة بالفعل وهي بالقوة كثيرة كالسّراج الواحد . فأما أن يكون واحدا بالقوة وكثيرا بالفعل ، من وجه واحد ، فلا يكون بل من جهات مختلفة « 33 » . [ السياسة بين العامة والخاصة ] [ قال أبو الحسن العامري ] : أما العامة فإنها تلهج بحديث كبرائها وساستها لما ترجو من رخاء العيش ، وطيب الحياة ، وسعة المال ، ودرور المنافع ، واتصال الجلب ، ونفاق السوق ، وتضاعف الربح . فأما هذه الطائفة العارفة بالله ، العاملة للّه ، فإنها مولعة أيضا بحديث الأمراء ، والجبابرة العظماء ، لتقف على تصاريف قدرة اللّه فيهم ، وجريان أحكامه عليهم ، ونفوذ مشيئته في محابّهم ومكارههم ؛ في حال النعمة عليهم ، والانتقام منهم ألا ترونه قال جلّ ثناؤه : ( حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون ) « 34 » . وبهذا الاعتبار يستنبطون خوافي حكمته ، ويطّلعون على تتابع نعمته ، وغرائب نقمته . وهاهنا يعلمون أن كلّ ملك سوى ملك اللّه زائل ، وكلّ نعيم غير نعيم الجنة حائل . ويصير هذا كلّه سببا قويا لهم في الضرع إلى اللّه ، واللياذ بالله ، والخشوع للّه ، والتوكل على اللّه . وينبعثون به من حران الإباء ، إلى انقياد الإجابة ؛ ويتنبّهون من رقدة الغفلة ، ويكتحلون باليقظة من سنة السّهو والبطالة ؛ ويجدّون في أخذ العتاد ، واكتساب الزاد إلى المعاد ؛ ويعملون في الخلاص من هذا المكان ، الحرج بالمكاره ، المحفوف بالرّزايا ، الذي لم يفلح فيه أحد ، الا بعد أن هدّمه وثلمه ، وهرب منه ، ورحل عنه إلى محلّ ، لا داء فيه ولا غائلة ؛ ساكنه خالد ، ومقيمه مطمئن ، والفائز به منعم ، والواصل اليه مكرّم . وبين الخاصة والعامة - في هذه الحال وفي غيرها - فرق يضح لمن رفع اللّه طرفه اليه ،
--> ( 33 ) « قال أبو النضر نفيس : الواحد الذي ينقسم فتنشأ منه الكثرة غير الواحد الذي لا ينقسم ؛ والكثير الذي يتوحّد حتى يكون واحدا غير الكثير الذي لا يتوحّد . فالواحد الذي لا ينقسم علة الواحد المنقسم ؛ والكثير الذي يتوحّد هو علة الكثير الذي ( لا ) يتوحّد . وبالحكمة الإلهية ما كان هكذا حتى يكون الكثير الذي يتوحّد في مقابلة الكثير الذي لا يتوحّد ، والواحد الذي ينقسم في مقابلة الواحد الذي لا ينقسم . وهذه المقابلة هي عبارة عن صورة التمام الحاصل للكلّ . وليست هي عبارة عن صورة مزاحمة لصورة أو كثرة غالبة لكثرة . [ و ] المستعان بالله من قصور العبارة عن الغاية وتقاعس اللفظ عن المراد » . أبو حيان التوحيدي : الامتاع والمؤانسة ، ج 2 ، ص 88 - 89 . وواضح أن هذا النص ذو صلة بما ذكره أرسطو في كتابه « ما بعد الطبيعة » ، ومن ثم نرجح أن يكون منقولا عن كتاب « العناية والدراية » . ( 34 ) سورة « الأنعام » ، الآية « 44 » .