أبو الحسن العامري

340

رسائل أبو الحسن العامري

الجوهر المتركب منها ، أعني الحيوان القائم . وأنه إن كان الادراك من أفعال الروح دون الجسد فما بال البدن متى نالته آفة ضعف بها الحيوان عن الادراك الصحيح . وإن كان من أفعال البدن دون الروح فما بال النفس إذا تعمّقت في فكرها ، وغرقت في خاصّ رؤيتها ، عجز بها الحيوان عن الادراك الصحيح . وإن كان ذلك كلّه من الأفعال المشتركة ، أعني المنسوبة إلى الفكر المركب من الروح والجسد ، فما ذا تقول في الأنفس الفاضلة والأرواح الزكية إذا فارقت أجسادها عند المنيّة ؟ . أتكون حالتها ، إلى يوم البعث ، مضاهية لأحوال العمي والصمّ ؟ . إنّ ذا واللّه لشنيع جدا بل متقاذف عن الحق بعدا ، ولا سيما إذا كنا كارهين لقول من يزعم أنّ الأنفس الناطقة كيفيات جسمانية ، وأنها لا محالة ستضمحل عند انتقاض البنية ؛ وأنّ ملك الموت ليس هو مسلّطا على توفّيها ، ولا الملائكة مندوبون إلى تلقّيها ؛ وأنّ أرواح السفهاء لن « 24 » تؤخذ بنقمها إلى يوم التناد ، ولا أرواح الشهداء تغتبط بنعيمها قبل المعاد ؛ وأنّ أرواح خيار البشر من الأنبياء صلوات اللّه عليهم - وأرواح رذّال « 25 » البشر من الأشقياء - لعائن اللّه عليهم - اليوم معدومة متلاشية . وليس يتوهم أنّ المعدومات في ذواتها متفاضلة ، فهي إذن بأسرها على رتبة واحدة ، ومنزلة مشاكلة ، وتلك حالتهم إلى الحشر والقيامة . فهذه وأشكالها هي من المطالبات الغامضة التي يفضي بنا القول فيها إلى الدقائق من الحكم ، واللطائف من العلوم / ؛ وليست الحال بمحتملة لشرحها ووصف ما يتعلق بأواخيها « 26 » . ولعلنا نستقصي ذكرها ، ونبلغ تتمة المراد منها عند شرحنا لكتاب النفس لأرسطاطاليس باذن اللّه وتوفيقه . القول في أقسام المدركات بحاسة البصر : إنّ الخالق - جلّ جلاله - بسعة جوده ، وتمام حكمته ، أبدع الأشياء الموجودة في عالمي السفل والعلوّ على فصول متباينة ، وأنواع مختلفة ، ليستدل العاقل بجبلّتها على أنّ الموجد لها موصوف الذات بكمال الجود ، وتمام القدرة . ولو أنه - تعالى جدّه - أنشأ المصنوعات كلّها على صيغة واحدة أو جبلّة مشاكلة لما وجد العقل سبيلا إلى معرفة الفرقان بين فعل المريد الحقّ وبين الصادر عما سخّر

--> ( 24 ) ص : أن . ( 25 ) ص : رذّال : جمع رذل وهو من يفعل القبيح . وربما تقرأ الكلمة أيضا « رذالة » وهو ما انتقى جيده وبقي رديئه . ( 26 ) أي علائقها .