أبو الحسن العامري

341

رسائل أبو الحسن العامري

من الطبع . فسبحان المدبّر لها كيف أوجد الجواهر كلّها مشاكلة من جهة ، مباينة من جهة . فدلّ تشاكلها على أن مبدعها فرد محض ، وواحد حقّ ، ودلّ تباينها على أنّ مبدعها قادر محض ، وجواد حقّ . وكما أنه - تبارك اسمه - أنشأ الموجودات على اختلاف الصيغ والهيئات « 27 » ، كذا أيضا جعل الطرق إلى إدراكها والاستثبات « 28 » لذواتها معلقة « 29 » بمشاعر مفتنّة وقوى متفرقة . ولهذا وجد بعض الأشياء ممتنعا إدراكها الا الحاسة واحدة كالطعوم والأراييح ؛ وبعض الأشياء ممكنا إدراكها بحواس مختلفة كالاشكال والمقادير . ولو أنّ المحسوسات كلّها ، على تباينها في الذوات وتباعدها في الجبلّة ، كانت معرّضة لأن تدرك بالحاسة الواحدة ، لما عقلت الحكمة في وقوع التفرقة بين طبائع الحواس الخمسة ، ولما وجدت العقول الصحيحة - عند إزماعها على تعرّف الأصوات - إلى الاستعانة بالأسماع أشدّ مبادرة منها إلى الاستعانة بالأبصار . ولما عرفت السبيل إلى العلم بأنّ الملمس لم يمتنع عليه إدراك الطعم ، وأنّ المشمّ لم يمتنع عليه إدراك اللون . وكما أنّ الخالق - جلّ جلاله - جعل بين الجواهر المختلفة والأغراض المختلفة مناسبات ذاتية ، وعلائق طبيعية ، مثل أنّ جوهر الحديد خلق بطبعه أصلح الجواهر لأن يتخذ منه السيف ؛ كذا أيضا جعل بين الحواس المختلفة والمحسوسات المختلفة مناسبات ذاتية ، وعلاقات طبيعية . ولولا / ظهور هذه الحالة لذوي العقول الصحيحة لما اتفقت أقوالهم على أن كلّ واحد من أنواع الجواهر مخلوق بذاته « 30 » لغرض حكمي ، وكمال حقيقي ، وأنّ صورته وهيئته منبئة تصرّح بأنه قد جبل على أصلح ما يتوهّم لتحصيل ذلك الغرض ؛ وأنه ليس ولا واحد من أنواع العالم بمخلوق عبثا أو محدث افتلاتا « 31 » ؛ وأنه لا يجوز أن يقبل أيّ جوهر اتفق أيّ غرض اتفق . ولو جاز ذلك لصلح أن يكتب على جوهر الهواء كما يكتب على جوهر القرطاس ؛ بل لصلح أن يتّخذ من الصوف سيفا قاطعا ، ومن الحديد عمامة ملفوفة ؛ ولصلح أن يدرك الطعم بالسمع ، ويدرك الصوت بالمذاق . وكلّ من تخطى إلى تجويز شيء منه فقد ارتكب الجهالات فيه . ونحن قد بلينا في هذا العصر بفرقة من

--> ( 27 ) ص : الهيئات . ( 28 ) ص : والاستثنات . ( 29 ) ص : معلقا . ( 30 ) ص : ذاته . ( 31 ) ص : افلاتا . والافتلات هو الارتجال .