أبو الحسن العامري

316

رسائل أبو الحسن العامري

- هل في جملتها ما يكون سوسها التدرج إلى كمال يتشبّث به ، في قوام ذاته ، / بالمعنى الموجد لها ، وأن يستغني بموجدها عن المادة الموضوعة لها ، أم ليس ولا شيء من الصور المادية هذا سوسه ؟ . أما أنا فأرى أن جوهر العقل ، وإن كان في ابتدائه ، إنسيّا ، ذا مادة ، فهو متى بلغ الغاية التي أمكنه بها عرفان ذات الموجد على الحقيقة فإنه حينئذ يأنف بكماله عن أن يكون ذا قوام متعلق بالمادة . ويصير متطلبا للانسلاخ عن مادته استخلاصا لقوامه بذات الموجد له ليفوز بالاقتدار الغير المتناهي على خصائص أفعاله ، ويغتبط بالأمن من العوارض الطارئة - أعني التي تعوقه عن التجرد للكمال الأخص به - ولأن يضاهي بطباعه الجواهر المبدعة التي باينت الطبيعيات لأنها ليست بذات جزءين : أحدهما أشرف والآخر أخس ؛ بل هي بسيطة محضة ، توصف بأنها الالهيّة التي لا يرد الفساد عليها . الفصل الثامن عشر العقل الإنسيّ لو لم يكن جوهرا لما صلح أن يوجد قابلا للعلم والحكمة . ثم لو لم يكن بحيث يمكنه أن يفارق المادة لما اقتدر على منازعة طبع القالب في أبواب الفضيلة ، فيردّه عن هواه ، ويصرفه عن مشتهاه . ولن يجوز أن يكون محلّ العلم والحكمة هو القالب الإنسيّ ، ولا أيضا جزءا منه كالقلب مثلا ؛ فان القلب الجسماني لن يقوى على أن يولّد من الأعراض الموجودة فيه أعراضا أخر من جنسها ، فيقبلها في ذاته دائما إلى غير النهاية . ومن سوس العقل توليد العلوم والحكم من المعلومات الأوّلية وقبولها على الدوم . ثم نقص القالب ليس يوجد مقتضيا / لنقصان العقل عن تأدية هذا الفعل بدلالة أنّ القالب قد يأخذ في النقصان عند تتمة الأربعين والعقل لن يكون قد بلغ حدّ الكمال الا عند الستين « 45 » . ثم قد ينسى الانسان العلوم والحكم والقالب ثابت على صحته ؛ وقد يتذكرها ، ويحفظها ، عند استيلاء المرض والضعف على قالبه . وإذا كان العقل الإنسيّ هذا سوسه ثم كان نفس الانسان مركبا منه ومن قرينه ، أعني الحياة التي يقوى بها « 46 » على التدرب في الارتياض ، فمن الواجب أن تكون

--> ( 45 ) يقول ابن سينا : « إن البدن تأخذ أجزاؤه كلّها تضعف قواها بعد منتهى النشوء والوقوف وذلك دون الأربعين أو عند الأربعين . وهذه القوة إنما تقوى بعد ذلك في أكثر الأمر » . ( البير نصري نادر : ابن سينا والنفس البشرية ، ص 81 - 82 ) . ( 46 ) ص : بهما .