أبو الحسن العامري
312
رسائل أبو الحسن العامري
الفصل الثاني عشر كلّ عقل كان إلهيّا فإنه يعلم الأشياء من حيث هو عقل ويدبّر الأشياء من حيث هو إلهي . وذلك أن كمال العقل بحسب خاصيّة ذاته أن يعلم الأشياء . وأما استحبابه لأن يفيض علمه على كلّ ما استعد لقبوله فإنه من خاصيّة ما هو إلهيّ لأنه من علائق التدبير . والمدبّر للكلّ ، على الاطلاق ، هو الموجد للكلّ ، وهو المعطي منها أشياء متساوية ؛ فيهب لكلّ « 32 » مقدمتين ، غير مؤتلفتين بجوهر العقل ، هذا الضرب من سوس التدبير . الا أن العقل ، وإن وجد مدبّرا لما تحته ، فان / تدبير الأحد الحقّ أعلى وأرفع من تدبير العقل . إذ لا يجوز أن يوجد شيء من المحدثات يدبّر ، بحسب قوته ، تدبير ما يدبّر العقل به الأشياء كلّها ، بل ينقطع دون كثير منها . والدليل عليه أنه ليس كلّ شيء يشتاق إلى حظوة العلم الذي هو تمام لجوهر العقل . وكلّ شيء يشتاق إلى الديمومة والبقاء الذي هو خصوصية إلهيّة ، بل يحرص كلّ موجود في العالم على نيله - على المبالغة - بمقدار درجته في رتبة الوجود ؛ بل يجاهد بسوسه جميع ما حاول إفساده وإهلاكه . فظهر إذا أنّ العقل بحسب ذاته متصوّر للمعاني العقلية ؛ وأما بحسب قوة أفيضت عليه من ذات المبدع فهو يدبّر ما تحته . وأنه من حيث يتصور المعاني العقلية فلن يلحقه قصور ولا نهاية لأنه يقوى دائما على استغراق المعاني من الصور الأوّلية التي قد أثبتت من غير أن يلحقه كلال أو سآمة « 33 » . فأما من حيث يدبّر ما تحته فقد ينقطع تأثيره ويتناهى مداه إذ اللاحق بالموضوع يكون أنقص طباعا من نفس الموضوع . الفصل الثالث عشر كلّ عقل هو بالفعل فإنه يعقل ذاته . وإذا عقل ذاته فقد علم أن ذاته هو عقل بالفعل ؛ وعلم أيضا أنه يعلم أنه في نفسه عقل بالفعل . فيصير هو في ذاته - بما هو عقل - عاقلا ومعقولا معا . وإذا كان حقيقة العقل بالفعل أن يكون مستثبتا للمعاني
--> ( 32 ) ص : بكل . ( 33 ) ص : سآءمة .