أبو الحسن العامري

289

رسائل أبو الحسن العامري

يوجد في كلّ واحد من الأنواع الأسطقسية من تبعية عرضية . وأعني بهذا أن الهواء ، مثلا ، وإن كان في طباعه حارا ، ليّنا ، فقد يعرض له أن يصير تارة في أفق الماء ، وتارة في أفق النار . وهو في الحالين غير فاقد لصورة الهوائية وإن كان متفاوت الحال بحسب اللطافة والكثافة . وبمثله الحال في الثلاثة البواقي ، أعني النار ، والماء ، والأرض . وإذ عرف هذا فمن الواجب أن نزيده وضوحا ، فنقول : إنّ الفرس حار المزاج ، والحمار بارد المزاج ، / والانسان معتدل المزاج ، الا أن لكلّ من هذه الأمزجة غرضا متسعا . ولهذا « 115 » ما صلح أن يوجد من أشخاص الناس من هو بارد المزاج ، ويوجد منه من هو حار المزاج . غير أنه لن يتباعد في برودة مزاجه عن حدّ الاعتدال حتى ينتهي إلى الأمزجة الحمارية وإن كان واقعا بأفقها ؛ ولا أيضا يتباعد في حرارة مزاجه حتى ينتهى إلى الأمزجة الفرسيّة وإن كان واقعا في أفقها . ثم إنّ كلّ واحد من درجاته ، في الغرض ، مناسب « 116 » للطبيعة الكلية فهو يفوز بقسطه منها على خاصية الاستعداد لها وإن كان مستحفظا لصورة نوعه ، أعني بها الجبلّة الإنسية . وهكذا القول في كلّ واحد من الجواهر السفلية ؛ أعني أن صورها لن تستغرق موادها استغراقا لا ينطلق عليها التبدل في غرضه . وليس يشكّ أن المعاني الخارجة عن اعتدالها إلى واحد من الأطراف تصير ، لا محالة ، موصوفة « 117 » إما بالرداءة والقبح ، وإما بالتشوّه والعاهة . وهذا حكم مستمر في المعاني الطبيعية والمعاني الصناعية ، أعني في أنواعها كلّها . وقد استقصينا بيانه في كتابنا الملقب ب « الأبحاث عن الأحداث » . وأما معارفهم بنفع المطر لمزرعة زيد وضرره ببيدر عمرو فليس يلزمنا . فانّا لم نعتقد فيه أنه نزل لنفع ذا أو لضرر ذا ؛ ولا ادّعينا أن الشيء الواحد لن يكون نافعا لواحد وضارا للآخر ؛ بل قلنا إن للّه ، تعالى جدّه ، في إنزاله المطر تقديرا حكميا « 118 » ، وأنه ، عزّ اسمه ، متى أنزله في خاص آياته ، على خاص اعتداله ، سمّيناه رحمة ، وحياة ؛ ومتى أفرط علينا إما بحسب وقته وإما في مقداره سمّيناه ودقا وطوفانا ؛ ومتى راث « 119 » عنا في الوقت المقدر

--> ( 115 ) ص : وألهذا . ( 116 ) ص : مناسبة . والمعنى أن كلّ واحد من درجات المزاج مناسب للطبيعة الكلية . ( 117 ) ص : موصوفا . ( 118 ) ص : تقدير حكمي . ( 119 ) راث : أبطأ .