أبو الحسن العامري
290
رسائل أبو الحسن العامري
له فزعنا إليه بالاستغفار ، واستسقيناه بالتضرع / ، والابتهال ، ثقة بوعده الصادق : « استغفروا ربكم إنه كان غفارا . يرسل السماء عليكم مدرارا « 120 » » . ثم نعتقد فيه أيضا أن مجرد نزوله في وقته ، وعلى مقداره ، يؤتي البشر كلّهم غاية مطلبهم منه ؛ بل قلنا إنّا كما لم نشك أن من الصناعات الاكتسابية ما لن يستغنى في تحصيل أغراضها عن المعونة الطبيعية ، مثل صناعة الطب والفلاحة ، كذا أيضا من الموجودات الطبيعية ما لن يستغنى في تحصيل أغراضها عن التدبير والفكرة ، كالأصوات والأوتار . وكما أن الشمس خلقت على أتمّ ما تصلح « 121 » به لأن تكون سراجا للعالم ثم قد يتأذى زيد بحرّها ويضعف بصر عمرو باشراقها ، وليس ذلك بموجب أن يعتقد فيها أنها إنما خلقت جزافا ؛ ولا سيما إذا علم أنهما متى قابلا وهجها بضرب من الحيلة الصناعية ، توقّيا به عن عارض أذاها ، فكذا الحال في الأكوان الأخر . وأما ما أدعوه من قرار الأرض في السفل لخاصية ثقلها وثبات السماء في العلوّ لفرط لطافتها فهو كما أدعوه ؛ ولن يجوز أن تتصاعد الأرض إلى حيّز السماء وترجحنّ السماء إلى حيّز الأرض . غير أن ثبات كلّ واحد منهما في الحيّز المخصص له ليس هو يتبع للطافة هذه وكثافة ذلك ، لكن الأمر فيهما على عكس ذلك . وأعني بهذا أن الغرض الحكمي من جبلّة العالم لمّا أوجب أن يوجد فيه جسم واقف في العلوّ وجسم راكد في السفل أوجد الحكيم الحقّ كلّ واحد منهما على خلق هيئته المختصة به . أعني أنه خلق هذه على صورة الكثافة وخلق تلك على صورة اللطافة ليثبت كلّ واحد منهما في خاص معدنه إتماما للجبلّة على مقتضى الحكمة ؛ فان الأوضاع في المعقولات الحكمية هي التابعة للأغراض دون أن يكون الأمر على القلب . وأما حصول جبلّة الأنفس البشرية على خلاف جبلّة الأنفس الملكية فوجه الحكمة الإلهية فيها هو / أن الأنفس البشرية لو أبدعت على ذلك السنخ « 122 » لما صلحت لخلافة اللّه تعالى على عمارة العالم السفلي . ثم لو لم تكن مدرّجة بالارشاد إلى ذلك الكمال لما صلحت لأن تكون ، في شيء من الحالات ، زينة للعالم
--> ( 120 ) سورة : « نوح » ، الآيتان « 10 ، 11 » . ( 121 ) ص : يصلح . ( 122 ) السنخ : الأصل .