عبد القادر بن حمزة بن ياقوت الأهري

197

الأقطاب القطبية أو البلغة في الحكمة

لتسلسل الامر إلى ما لا يقف ، فلا يحصل علم ما فيما بين الخليقة البشريّة ، إذ الموقوف على ما لا يحصر عدده ، كيف يحصل في دائرة الوجود . فلا بدّ اذن من شخص يستبدّ بفهم الإشارات من العقول الزّاهرات ، اما دفعة واحدة ، كما قال ، عليه السّلام : « رأيت ربّى في أحسن صورة فقال لي : يا محمد ، أفيم يختصم الملاء الاعلى ؟ فقلت : أنت اعلم يا ربّ . فوضع يده بين كتفي ، فوجدت بردها بين ( 93 پ ) ثدبىّ ، فعرفت ما بين السماء والأرض » . وذلك انّما يكون بحصول لحظة لعين العقل إلى الحدود الوسطى بين سلسلة الوجود من لدنه إلى الاوّل الأزل ، فيصبّ في صدره ، وينفث في روعه علم كلّى بكلّ الوجود كما هو ، مثل ما علّم آدم الأسماء ، ومثل ما قال : « زويت ( b 219 ) لي الأرض » ، هو ارض الوجود . وامّا على تعاقب الأزمنة ، كما قال : « نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ ، قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ » ، ردّا على من قال : « انّما يعلّمه بشر » ، ومن قال : « انّما أنت مفتر » ، ومن قال : « أساطير الأولين ( م 146 ر ) اكتتبها ، فهي تملى عليه بكرة وأصيلا » . وردّ هؤلاء أبلغ في المنع من القول بالتعليم البشرى ، حيث نفى التّعليم أيضا عن روح القدس في قوله : « قل انزله الّذي يعلم السّر في السّماوات والأرض » ، اى كلّ العلوم فائض منه بلا ذريعة من أحد من الخليقة . وهاهنا ركدت الرّيح العقيم السّموم الهابّة من أفواه الملاحدة وأهل الإباحة ، حيث قالوا : لا بدّ من الوصول إلى معرفة الحقائق وخصوصا إلى معرفة الخالق من امام وشيخ يرشدنا إليها ، ويوقفنا عليها . هذا غاية غوايتهم تمثّلت بصورة التوفيق والهداية ، وكمال ضلالتهم تخيّلت بخيال الرّشد والدراية . ( a 220 ) ذلك مبلغهم من العلم ، ان يتّبعون الا الظنّ ، وما تهوى الأنفس . فكم من ملك في السّماوات لا تغنى شفاعتهم شيئا ، فكيف شفاعته الشيخ الكبير والمعلم الضّرير . لعمرك يا هذا ! ما قولهم ذا ، الا كقول من يقول « انّما يعلمه بشر » ، وكقول من يقول : « أساطير الأولين اكتتبها » . أترى بينهما فرقا ؟ شيخهم كبير ، ولكن كبير معطّلة ، وهو القلب الأسود ، كالبير المظلم الخالي عن الحق . واما القصر المشيّد فنقيضه . وهو قلب المؤمن المشيّد بالمعارف الحقّة . ومعلّمهم امام ، ولكن كغراب السّراب ، ضرير كالبوم الشوم . وقد بعث اللّه غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يوارى سوأة