عبد القادر بن حمزة بن ياقوت الأهري

185

الأقطاب القطبية أو البلغة في الحكمة

دنوت انمله لاحترقت . اى انطمس في ظلمات ( b 205 ) القوى البشرية . فالتدلية للموحى والدنو للموحى اليه ، فيتعاكس النّوران كل منهما إلى صاحبه ، فينجذب الرّوح إلى الجناب الاعلى معتصما بحبل هذا الشعاع القدسي المعبر بالبراق ، وهو فعال من البرق . فعبّر عن نزوله بالنّجم الهاوىّ ، وعبّر عن صعود الرّوح اليه بالدنوّ . وهذا مثل النّجم المنقّض من الجوّ العالي ، مشتعلا بالدخانات الصاعدة المستعدة لقبول اشتعاله بها ، ثمّ لا تزال تلك الشعلة تارة نازلة وتارة صاعدة ، كالبرق ينطوى مرّة وينشر أخرى . كما عبّر عن هذه الحالة بقوله : « وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى ، عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى » . اى عند قوّة الخيال الّتي هي المصوّرة للأشياء تشبيحا وتمثيلا وتصويرا وتشكيلا . ولمزاحمة توارد الصور عليها قال : « إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى » . وانّما سمّيت سدرة المنتهى لأنها نهاية المحسوسات وبداية المعقولات . ولهذا قال ، تعالى : « عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى » . يعنى إذا جاوزته ، فقد دخلت عالم الرّوحانيّات . وهذه القوّة المصوّرة ان كانت خادمة للرّوح ( a 206 ) الناطق ، مطيعا له ، غير مخلّط عليه امره القدسىّ وسانحه الانسىّ ، تصوّر صورة شهيّة وطلعة بهيّة ، تناجيه بالاسرار المخزونة في خزانة اللّوح المحفوظ عن الخطاء والزّلل والمحو والخلل . فتلك الصورة هي المسمّاة على لسان الشرع جبريل ، تسمية للأثر باسم المؤثر . لانّ ( م 137 ر ) هذا البرق من اسراره وآثاره واشعّته وأنواره . والا فالعقل الفعّال يمتنع عليه الصعود والنّزول ، لبراءته عن علائق الأجسام ، فكيف يدخل في جرم المكان ومضيق الزّمان ، والا احترق ، كما قال . واسمه الحقيقىّ هو البراق الحامل له إلى مقامه المحمود . ومناجاته الغيبيّة ، إذا وقعت في النّفس ، تسمّى حديث النّفس ، وإذا تليت بالحروف المنظومة والأصوات المقطعة ، تسمّى كلام اللّه ، تعالى ، إذا كان التلبس ( 88 ر ) في تلك الحالة . امّا إذا كان في غيرها ؛ تسمى الأحاديث النبويّة ، وتسمّى أيضا قول رسول كريم ذي قوّة عند ذي العرش ، إذ هو ( b 206 ) واسطة القذف والنّفث وذريعة الإنباء والبعث . وهذا كما إذا هجس في خواطرنا معنى ما من المعاني ، فقبل تلفظنا به ، يسمّى حديث النّفس ، فإذا تدرّعت بعبارة الالفاظ اللّسانيّة ، يسمّى كلام اللّسان .