عبد القادر بن حمزة بن ياقوت الأهري
184
الأقطاب القطبية أو البلغة في الحكمة
متظاهرين للقلب على قبول الوحي ، كرّر اللّه تعالى ذكر هذا الثّلاثة معا في كثير من المواضع ، نحو قوله : « إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا » ، ومثل قوله : « وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ » . وجمع نقص هذه الثّلاثة بالنسبة إلى المعقولات ( b 204 ) والمبصرات والمسموعات في قوله : « لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ، وَلَهُمْ أَعْيُنٌ ، لا يُبْصِرُونَ بِها ، وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها » ، وفي قوله : « صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ » . فالبكم للقلب ، كما أن العمى والصمّ لهما . المنزل الاوّل الوحي القلبىّ ، وهو أعم المراتب ولا ينطلق اسم ( م 136 ر ) النبوّة الاعلى من له هذه الدّرجة ، ولو على أدنى المراتب . فان مراتب هذه الإشارة في الصفاء والكدورة ممّا لا يقف على كنهها ، الّا اللّه الذي هو ملقيها . وبعده الرّوح الذي هو واسطة القائها ، كما قال : « يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ » . وكما قال : « يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ » . وهو نور شعشعانىّ يقذف من معدن النّفس النّاطقة ، يكاد سنا برقه يذهب بالابصار ، من قوّة نفحاته وشدّه فوحاته . وهو البراق الّذي يمطّى النّفس على نفسه ، ويرفعها إلى المنزل الاعلى ، فينزل هويّا ، كما قال : « وَالنَّجْمِ إِذا هَوى » . هو النّجم الذي بضوئه يهتدى ، والامام المبين ( a 205 ) الذي به يقتدى . ولكن حالة هويه يكون مجردا صافيا عن الغواشي . فإذا دنى من عالم ظلمة البشريّة المتكدّرة ، فبحسب دنوّه منه ينمحق بهاؤه وضياؤه ويزداد تكدّره وانطفاؤه . فان غلب على ظلمة البشرية يخطف الرّوح من أسرها ، ويخلص نجيّا بهيجا طيّبا اريجا ، فينسلخ النفس عن جلده غاية الانسلاخ . وهي أقرب حالات الانسان إلى الموت ، وتسمّى معراجا روحانيا ، وعبّر عنها بقوله : « وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ ، فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ » ، بقي الهيكل ظلمانيّا . وهذه الحالة هي المحكية بقوله : ثم دنى فتدلّى ، فكان قاب قوسين أو أدنى . عبّر عن تلك القربة بمقدار قوسين ، كما هو عادة ( 87 پ ) العرب من أن شخصين متخاصمين متى اصطلحا يقرن بين قوسيهما موتّرا . وان غلبت ظلمة القوى عليه ، فينطمس و ( م 136 پ ) يتلاشى . وهذا هو المقام الذي قال ، عليه السّلام ، لجبريل : « ادن منى » فقال : « لو