ابن باجة
69
تعاليق ابن باجة على منطق الفارابي
بعضها يعطي ما لا يعطيه الآخر ، ويلزم عنه ما لا يلزم عن الآخر . لا بدّ في حين التعلّم من ترتيب الأشياء في الذهن ، فإنّ كثيرا ، كما قلنا ، يلزم عن تصوّر الآخر بالأمور الذاتيّة المقوّمة خلاف ما يلزم عن تصوّره بالأمور الذاتيّة التي لا تقوّمه ولا تؤخذ في حدّه ، بل يؤخذ هو في حدّها . وأعطى في الرابع أنحاء المتقدّم والمتأخّر وقسّمه تقسيم الاسم المشترك ، ليأخذ منها ما كان مقصده في أنحاء التصوّر الذي هو مقصده بالتعلّم ، فيما يعلّمه ويقرأه من قوله . وأعطاه على العموم بحسب غرضه ، في « فصوله » ( وهو ) أن يسدّد الذهن ويحرزه من الغلط ، وأشعر بالمتقدّم والمتأخّر في التصوّر وكماله في « كتاب البرهان » . وقصده من المتقدّم والمتأخّر بحسب التصوّر إلى ثلاثة أقسام : منه المتقدّم والمتأخّر في السبب ، لمنفعته في تصوّر الشيء بالمتقدّم له أو بالمتأخّر من الأمور الذاتيّة . وقصده لما بالكمال ، لما في التصوّر من أنحاء الكمال ، لأنّ تصوّر الشيء بالأمور الذاتيّة أكمل ممّا بالعرض / وتصوّره بالأمور الذاتيّة المقدّمة له أشرف من تصوّره بالأمور الذاتيّة التي لا تقوّمه ، وتصوّره بالأمور الذاتيّة المقوّمة له ، بعضها أكمل في التصوّر من بعض ، ولها تفاضل في كمال التصوّر . وكلّ هذا قد تبيّن في « كتاب البرهان » « 1 » . والثالث المأخوذ من المتقدّم والمتأخّر هو التقدّم بالمرتبة ، فإنّ له في التصوّر غناء عظيما ، وفي التصديق وفي سهولة حفظ ما يتصوّر ويصدّق به . أمّا في التصوّر ، فإنّ لأنحاء المتقدّم والمتأخّر بالسبب وبالكمال مراتب تحتاج أن تكون الأمور المتصوّرة مرتّبة بها في النفس . ومنفعته في التصديق أن يفهم الإنسان مراتب التصديق في حين تصوّره ، ليأخذ المعقول حيث يجب ، والمشهور حيث يجب ، والمقبول كذلك ، والّا يأخذها بجهة واحدة والّا تكون عنده سواء ، فيقع في غلط وحيرة وتوقّف قاطع . وينفع في سهولة الحفظ ، لأنّ الأشياء إذا ترتّبت في الذهن ، سهل حفظها وتذكّرها وتذكّر بعضها ببعض .
--> ( 1 ) راجع « كتاب البرهان » ، في المنطق عند الفارابي ، تحقيق ماجد فخري ، بيروت ، 1987 ، ص 28 - 32 .