ابن باجة
35
تعاليق ابن باجة على منطق الفارابي
فالأصناف الأربعة « 1 » تعلم بأنفسها دون أن يتطرّق إلى معرفتها من معلوم سواها ، وما عداها إنّما يعلم بفكر . وبيّن أنّ ما يعلم بفكر فإنّه ينبغي أن يكون قبله معلوم سابق يتطرّق به إلى عمله . فإن كان ذلك معلوما بنفسه على أحد الأنحاء الأربعة وقف الأمر ، وإلّا احتاج أيضا إلى معلوم سابق . ولا يمرّ الأمر إلى غير نهاية ، لأنّه كان يلزم أن لا يعلم المجهول أبدا . فواجب إذن في علم المجهول أن يكون المعلوم السابق له من أحد هذه الأربعة ، أو ما ينحلّ إليها ويقف أخيرا عندها . فهذه الأربعة إذن هي مبادئ النظر ، وما يعلم بنظر المعقولات الأوّل . والمحسوسات هي مبادئ البرهان ، إلى آخر قوله . الثالث كلّ صلة « 2 » أو حالة كيف كانت توجد بين أمرين ، فإنّها تسمّى على العموم نسبة . والنسبة الموجودة بين أمرين لا يخلو أن يكون وجودها لازما عن جوهر أحدهما أو عن جوهرهما معا ، وذلك إمّا وأيّما وأمّا وعلى الأكثر ، وما كان بهذه الصفة قيل إنّه بالذات . أو يكون وجودها غير لازم البتّة عن جوهر واحد منهما ، لكن اتّفق ذلك اتّفاقا . وما كان بهذه الصفة ، قيل إنّه بالعرض . فما بالذات وما بالعرض إنّما هو حال نسبة موجودة بين شيئين على ما ذكرنا . ولمّا كان لفظ الوجود أشهر من لفظ النسبة قال : « توجد » وأردفه بحرف النسبة ، وذلك يقوم مقام لفظ النسبة ، إذ النسبة موجودة بحال ما . والشيء والأمر لفظتان مترادفتان بمعنى واحد ، فلم يذكر الشيء هاهنا ، والأمر بعده بخلاف بينهما . ولكن لمّا كانت النسبة موجودة بين شيئين ، أحدهما مبدأ لها والآخر منتهى ، وكان بين الشيئين من الفرق هذا المقدار ، جعل العبارة عن أحدهما معبّرة عن العبارة عن الأخرى في اللفظ لا في المعنى ، فكأنّه عبّر عن الشيء الذي هو مبدأ النسبة بلفظ الشيء ، وعبّر عن المعنى الذي هو منتهاها بلفظ الأمر . فالنسب كلّها في البراهين إنّما هي بما بالذات ، والنسب في المغالطات كلّها والأقاويل التي لا تفضي إلى العلم ، إنّما هي ممّا بالعرض . فمن
--> ( 1 ) هي المقبولات والمشهورات والمحسوسات والمعقولات الأوّل . راجع « الفصول » ، ص 267 . ( 2 ) في الأصل : وصلة .