ابن باجة

133

تعاليق ابن باجة على منطق الفارابي

للأسباب الخاصّة ، وللشرف في التصوّر لسائر الأسباب ، والتصوّر بالأسباب بعضها أكمل من بعض . والتصوّر بالأسباب فقد كانت فيما له أسباب أكمل من التصوّر بالأشياء المتأخّرة . وللتصوّر بالتقدّم في الطبع مقولة ، فإنّ المتقدّم بالطبع هو الشيء الأعمّ ، والشيء الأعمّ يرتّبه الذهن أوّلا في النفس ، ثمّ يضيف إليه ما يخصّصه شيئا بعد شيء إلى أن ينتهي إلى الشيء المطلوب تصوّره ويتبع هذا التقدّم في المرتبة ، فإنّ التصوّر له مراتب بحسب الأكمل فالأكمل ومراتب بحسب ترتيب أجزائه . ويلحق الزمان التصوّر بالعرض ، لأنّه في حين ما يرتّب يلحق الزمان . ( قال : تقدّم هذا القول الوارد في أوّل القول في المتقدّم والمتأخّر ) . والمتقدّم والمتأخّر ، هل يقال هذا اللفظ عليهما على جهة التواطؤ أو على جهة التشكيك أو على جهة الاشتراك التامّ ؟ وليس ذلك على جهة التواطؤ ، لأنّ حدّ كلّ واحد منهما بحسب هذا الاسم غير حدّ الآخر ، وليس لما يقال عليه معنى واحد يعمّهما في الوجود والنسبة باشتراك محض ، كالنجم الذي يسمّى به عقّار ونجم في السماء ، فينبغي أن يكون على جهة التشكيك ، فإنّ الذهن يلحظ فيها من حيث هي في النفس اشتراكا ما ، في حين ترتيبه لها . وذلك أنّ المعاني في النفس لها ترتيب يحضرها الذهن بذلك الترتيب في النفس / ليسهل بذلك الترتيب وجودها فيه وحفظها ويكون ترتيبا . فإنّ الترتيب تدلّ أجزاؤه بعضها على بعض ، فالذهن يحضر معاني المتقدّم والمتأخّر مرتّبة في النفس . من ذلك المتقدّم في الزمان وفي الوجود ، فإنّ النفس ترتّب أوّلا من الأمور الموجودة في الزمان ما سبق أوّلا في الوجود أو شأنه أن يسبق ، فما سبق أوّلا في الوجود هو المتقدّم في الزمان الماضي ، وما شأنه أن يسبق هو المتقدّم في الزمان المستقبل ، فالزمان يرتّبه الذهن في النفس أوّلا . والمتقدّم بالطبع هو الأعمّ مع ما هو أخصّ منه ، والذهن يرتّب أوّلا في النفس الأعمّ على الأخصّ ، لأنّه أعرف وأسهل في المعرفة . فالمتقدّم بالطبع يرتّبه الذهن أوّلا إذا أخذه مع المتأخّر مقدّما بطبع لأجل عمومه . والمتقدّم بالمرتبة هو الذي شأن الذهن أن يغفلها ، فكيف إذا كانت مرتبة بذاتها في الوجود ، مثل المكان وكونه كذلك يأتلف من مبدأ محدود . وذلك المبدأ