ابن باجة

120

تعاليق ابن باجة على منطق الفارابي

ما يحدث وما ينحسر ، إلى أن يقفا ، إمّا على التمام وإمّا على دونه . ومتى وقفا على ما دون التمام كان الحاصل منهما مختلطا بين الطرفين ، وأنواعه أنواع الحركة . وقوله : « من لا جوهر إلى أن يحصل جوهرا » لا يريد بذلك لا جوهر باطلاق ، فإنّ الموضوع الذي فيه يوجد هو جوهر ، فإنّ التحوّل الحادث مصير الجوهر أو الجسم من لا جوهر إلى أن يحصل جوهرا ، وإنّما يريد مصير الجوهر من لا جوهر ما إلى أن يحصل ذلك الجوهر . وقوله : « مصير الجوهر من لا جوهر » ، قد أثبت وجود ذلك الذي أضاف إليه المصير ، فهو مصير الجوهر الذي هو موضوع أوّلا من لا جوهر . وقوله « من لا جوهر » إنّما يريد لا جوهرا ما ، فقوله « لا جوهر » هو وصف للجوهر الموضوع أوّلا ، فهو صفة لموجود هو جوهر فيه يوجد الجوهر الذي قال فيه : « إلى جوهر من لا جوهر » . فوصف بلا جوهر ما يوجد فيها ذلك الجوهر . فهذا الجوهر الذي أخذه موضوعا وموجودا ما هو مثل ( هو ) أيّ موضوع اتّفق . فيكون جوهر أو موضوع على حقيقته لا جوهرا ، وبيّن أنّه موضوع على ضدّ ما يكون جوهرا ، وذلك الجوهر الذي هو على صفة موجود هو الجوهر الذي هو نفسه بالقوّة الجوهر الذي يصير بالفعل . فقد تبيّن من هذا أنّ لا جوهر يقال على ثلاثة أنحاء توصف به ثلاثة أشياء : على ما لا ماهيّة له من الجواهر في الوجود ، مثل عنقاء مغرب ، فإنّه يصحّ عليها أنّها لا جوهر ما . ويصحّ أن يقال لا جوهر على كلّ جوهر موجود ، كان من جوهر ما أو لم يكن . والجوهر الذي يكون منه جوهر ما لا يفارقه عدم ذلك الجوهر ، مثل أنّا نقول لا زجاج على كلّ حجر ، كان منه زجاج أم لا يكون . فقد يقال لا زجاج على كلّ حجر لا يكون منه زجاج ، وهذا الحجر لا يفارقه عدم الزجاج . ويمكن أن يقال لا زجاج على حجر يكون منه الزجاج بالفعل ، وهو الحجر الذي فيه الزجاج بالقوّة . فلا زجاج يقال على ما لا وجود له بوجه ، ويقال لا زجاج على حجر يكون منه الزجاج ، وهو الذي فيه الزجاج بالقوّة . فالعدم إذن يقال ويوصف به ثلاثة أشياء : « 1 » على شيء في النفس لا وجود له بوجه ، « 2 » وعلى شيء له وجود يقال عليه لا كذا ، وهو شيء يفارقه لا كذا ، مثل قولنا على الحجر الذي منه الزجاج مثلا إنّه لا

--> ( 1 ) المقولات ، ص 116 . ( 2 ) المقولات ، ص 116 .