ابن باجة
12
تعاليق ابن باجة على منطق الفارابي
ويتوفّر على شرحها بعض التوفّر . ومن المفيد أن نسهب القول في تعليقه على هذه التركيبات الثلاثة . أمّا تركيب الاشتراط فيلحق ، عنده ، بالمعاني التي « تليق بالأشياء العامّة من غير أن يلحظ الذهن عمومها » ، مثل قولنا في الإنسان ، إنّه حيوان ناطق ضحّاك . وهذا النوع من التركيب هو جزء من « النظر الطبيعي » ، ما دام يتناول اللواحق الذاتيّة للشيء ، بينما تركيب الاستثناء يقال في تركيب المعاني التي « يلحظ الذهن العموم فيها ، فيستثنى منه شرط يخصّصه به ، فشرط آخر ، وهكذا حتّى تعادل الصفات المستثناة الشيء المتصوّر ، فيكفّ الذهن حينذاك عن الاستثناء » ، وهذا جزء من « النظر المنطقي » في الحدود . وأمّا التقييد فيقال في الأشياء التي لا عموم فيها » ، فإذا كانت عامّة فمن حيث هي مضافة ، مثل قولنا : الراجي فقر فلان « 1 » . وقد تطرّق ابن باجه إلى هذا النوع من التركيب في تعاليقه على « إيساغوجي » فردّه إلى تركيب النعوت والصفات والإضافات ، واعتبره جاريا مجرى المفردات من حيث قد يكون محمولا أو موضوعا ، خلافا لتركيب الإخبار الذي يتألّف من كلا المحمول والموضوع على غرار القضيّة أو القول الجازم . فكان التركيب الأوّل أساسا للتصوّر عنده ، بينما كان التركيب الثاني أساسا للتصديق « 2 » . وجدير بالذكر أنّ الفارابي يتجاوز عن تعريف التركيبين الأوّلين إلّا أنّه يعرف تركيب التقييد بقوله : « إنّه قول يشرح المعنى المدلول عليه باسم ما بالأشياء التي بها قوامه ، وذلك هو الحدّ ، أو بأشياء ليس بها قوامه ، وذلك هو الرسم » . ويورد على التركيب الأوّل مثلا قولنا في الحائط : إنّه جسم منتصب معمول من حجارة أو لبن أو طين ، وعلى التركيب الثاني قولنا : إنّه « جسم تعلّق عليه الأبواب وتوتد فيه الأوتاد » . فالقول الأوّل شرح لمعنى الحائط بما به قوامه ، أي صفاته الذاتيّة ، فكان حدا ، بينما القول الثاني شرح له بما ليس به قوامه ، أي صفاته العرضية ، فكان رسما « 3 » .
--> ( 1 ) المرجع السابق ، ص 24 أ . ( 2 ) راجع المرجع السابق ، ص 10 أ . ( 3 ) راجع الفصول ، ص 274 .