أبو نصر الفارابي

73

كتاب الحروف

و « الأبيض » ، انطوى « 9 » فيه المشار إليه بالقوّة . فيصير ذلك وما أشبهه هو أوّل المعقولات ، وكلّ واحد من ( ها ) إنّما ينطوي فيه مشار واحد بعينه في العدد ، فيصير « الإنسان » و « الأبيض » و « الطويل » واحدا بعينه ، فتميز المقولات بعضها عن بعض هذا التميّز . ( 24 ) ثمّ بآخره يقع من النطق تميّز آخر . وذلك أن توجد هذه المعاني الكثيرة من غير أن ينطوي في شيء منها هذا المشار إليه . فينزع الذهن هذه بعضها عن بعض ويفرد كلّ واحد منها على حياله ، فيفرد معنى « البياض » على حدة / ومعنى « الطول » على حدة ومعنى « العرض » على حدة ، وكذلك الباقية ، مثل « القيام » و « القعود » وغير ذلك . وهذا شيء يخصّ العقل وينفرد به دون الحسّ . وهي أسبق إلى المعرفة من أن تكون منتزعة ، ولكلّ واحد منها تقدّم على الآخر بوجه ما . غير أنّ الألفاظ إن كانت إنّما تدلّ عليها من حيث هي أحرى أن تكون معقولة ومن حيث لها تقدّم في العقل فألفاظها « 10 » الدّالة عليها من حيث هي مفردة عن المشار إليه أقدم ، ومع ذلك فإنّها تدلّ عليها وهي منحازة بطبائعها وحدها ومن حيث هي أبسط وغير مركّبة مع غيرها . وتكون ألفاظها الدالّة عليها من حيث هي مع زيادة شيء ومن حيث هي أحرى أن تكون محسوسة ، هي المتأخّرة المأخوذة من الأول . فإن كانت ألفاظها سبقت عليها قبل أن تنتزع ، فسمّيت بأشكال تدلّ عليها من حيث هي أصناف المشار إليه ، فتلك الأسبق ، وهذه متأخّرة ( مأخوذة ) من تلك . ( 25 ) ولكن كيف تمكّن الإنسان أن يكون قد وقف حيث ما كانت في المشار إليه أنّه معنى في المشار إليه حين علم أنّه مركّب من شيئين ، لولا أنّه علم كلّ واحد من المركّبين على حياله ثمّ ركّب . فمن هذا يجب أن تكون التسمية التي تدلّ على تركيب بتغيّر شكل متأخّرة ومأخوذة عن لفظ ما علم وحده بسيطا بلا تركيب . فلذلك رأى القدماء أنّ هذه هي المشتقّة وأنّ تلك هي

--> ( 9 ) الطول م . ( 10 ) وألفاظها م .