أبو نصر الفارابي

48

كتاب الحروف

بصحّة ما يقوله في صلة المنطق بالنحو ، وبيّن أنّ متّى يتحدّث عن الصلة بين شيئين لا يعرف شيئا عن أحدهما . والمناظرة جرت في مجلس عامّ حضره « أقوام » كتبوها « في ألواح كانت معهم ومحابر أيضا . . . وتقوّض المجلس وأهله يتعجّبون من جأش أبي سعيد [ السيرافيّ ] الثابت ولسانه المتصرّف ووجهه المتهلّل وفوائده المتتابعة » ( ص 128 ، س س 13 - 16 ) . وكان للسيرافيّ يوم المناظرة أربعون سنة ، ومتّى يومئذ شيخ كبير يربو على الخامسة والسبعين ، والسيرافيّ كان معروفا بالدين والجدّ والفضل والزهد بالدنيا ، ومتّى مشهور عنه أنّه « كان يملي ورقة بدرهم مقتدريّ وهو سكران لا يعقل ، ويتهكّم ، وعنده أنّه في ربح وهو من الأخسرين أعمالا ، الأسفلين أحوالا » ( ص 107 ، س س 13 - 14 ، قارن ص 129 ، س س 1 - 4 ) . فانتصار السيرافيّ على متّى في المناظرة لم يكن انتصار رجل على آخر أو فنّ على آخر فحسب ، بل نصرا للأدب والكلام أثار في قلوب الناس شكوكا في فوائد المنطق والفلسفة ودعوى أصحابها . وعلاقة الفارابيّ بمتّى يشوبها الغموض . فيقال إنّه أخذ عنه ، وإنّ متّى « كان أسنّ من أبي نصر [ الفارابيّ ] وأبو نصر أحدّ ذهنا وأعذب كلاما » ( ابن أبي أصيبعة « عيون » ج 2 ، ص 135 ، س س 26 - 27 ) . والفارابيّ كان يومئذ في بغداد يدرّس المنطق والفلسفة ، يقرأ مع تلامذته ويملي عليهم شروحه لكتب المنطق وما كتبه في علاقة النحو بالمنطق ، ويبحث في الحروف ومعانيها عند شرحه « مدخل » فورفوريوس و « مقولات » أرسطوطاليس وكتابه « ما بعد الطبيعة » . وكان بين التلامذة من يحضر مجلسه ومجلس متّى . ويخيّل إليّ أنّ المناظرة التي جرت بين متّى والسيرافيّ أدّت بكثير من تلامذة الفارابيّ إلى يسألوه كيف يجيب هو عن الأسئلة التي أثارها السيرافيّ عن اللغة وصلتها بالمنطق ، وعن الحروف ، وغير ذلك ممّا لم يتمكّن متّى من الإجابة عنه أو أجاب عنه إجابة غير مقنعة . وذلك لأنّ الفارابيّ كان إلى علوّ شأنه في المنطق عارفا بالعربيّة وفقهها ونحوها ، أخذها عن ابن السرّاج إمام زمانه في هذه الفنون