أبو نصر الفارابي
110
كتاب الحروف
وكلّ مستغن عن غيره في وجوده أو فعله أو في شيء آخر ممّا هو له أو به أو عنه ، يقال إنّه « بذاته » . ( 79 ) وهذه اللفظة وما تصرّف وتشكّل منها - أعني « الذات » و « ما بذاته » و « ذات الشيء » - ليست مشهورة عند الجمهور وإنّما هي ألفاظ يتداولها الفلاسفة وأهل العلوم النظريّة . والجمهور يستعملون مكانها « 15 » قولنا « بنفسه » . فإنّهم يقولون « زيد بنفسه قام بالحرب » يعنون بلا معين ، ويقولون « زيد هو بنفسه » أي « 16 » بذاته لا بغيره ، أي مستغن عن غيره في كلّ ما يفعله . ( الفصل الخامس عشر : الموجود ) ( 80 ) الموجود في لسان جمهور العرب هو أوّلا اسم مشتقّ من الوجود والوجدان . وهو يستعمل عندهم مطلقا ومقيّدا ، أمّا مطلقا ففي مثل قولهم « وجدت الضالّة » و « طلبت كذا حتّى وجدته » ، وأمّا مقيّدا ففي مثل قولهم « وجدت زيدا كريما » أو « لئيما » . فالموجود المستعمل عندهم على الإطلاق قد يعنون به أن يحصل الشيء معروف المكان وأن يتمكّن منه في ما يراد منه ويكون معرضا لما يلتمس منه . فإنّما يعنون بقولهم « وجدت الضالّة » و « وجدت ما كنت فقدته » أنّي علمت مكانه وتمكّنت ممّا ألتمس منه متى شئت . وقد يعنون به أن يصير الشيء معلوما . وأمّا الذي يستعمل مقيّدا في مثل قولهم « وجدت زيدا كريما » أو « لئيما » فإنّما يعنون به عرفت « 1 » زيدا كريما أو لئيما لا غير . وقد يستعمل العرب مكان هذه اللفظة في الدلالة على هذه المعاني « صادفت » و « لقيت » « 2 » ، ومكان الموجود « المصادف » و « الملقى » . ( 81 ) وتستعمل في ألسنة سائر الأمم عند الدلالة على هذه المعاني التي تدلّ عليها هذه اللفظة في العربيّة وفي الأمكنة التي يستعمل فيها جمهور العرب هذه اللفظة لفظة معروفة عند كلّ أمّة من أولئك الأمم يدلّون بها على هذه المعاني
--> ( 15 ) مكان مها م . ( 16 ) التي ( ه ) م . ( 1 ) عرفنا م . ( 2 ) وألقيت م .