أبو نصر الفارابي
100
كتاب الحروف
أنّ موادّ الشيء متى كانت جيّدة كان الشيء جيّدا ، مثل موادّ الحائط وموادّ السرير . فإنّهم يظنّون « 10 » ( أنّ ) الخشب إذا كان جيّدا كان السرير جيّدا ، إذ تكون جودة الخشب سببا لجودة السرير ، وإذا كان الحجارة واللبن والآجرّ والطين جيّدا كان الحائط المبنيّ « 11 » منها أيضا جيّدا ، إذ كانت جودة تلك سببا لجودة الحائط . فعلى هذا المثال يرون في آباء الإنسان وأمّهاته وأجداده وقبيلته وأمّته وأهل بلده ، فإنّ كثيرا من الناس يخيّل إليهم أنّهم موادّ الإنسان الكائن عنهم أو فيهم . وموادّ الشيء هي إمّا ماهيّته وإمّا أجزاء ماهيّته ، فهم إذن إنّما يعنون بالجوهر هاهنا ماهيّته أو ما به ماهيّته . وقد يقولون « هذا الثوب جيّد الجوهر » ، يعنون به سداه ولحمته من كتّان أو قطن أو صوف ، وتلك كلّها موادّ . فهم « 12 » يعنون بالجوهر هاهنا أيضا موادّ الثوب ، وموادّ الشيء إمّا ماهيّته وإمّا أجزاء « 13 » ماهيّته ؛ فإنّ قوما يرون أنّ ماهيّة الشيء بمادّته فقط ، وآخرون أنّها بأجزاء « 14 » ماهيّته . ( 66 ) فهذه هي المعاني التي يقال عليها الجوهر عند الجمهور . وهي كلّها تنحصر في شيئين ، أحدهما الحجارة التي في غاية النفاسة عندهم ، والثاني ماهيّة الشيء وما به ماهيّته وقوام ذاته - وما به قوام ذاته إمّا مادّته وإمّا صورته وإمّا هما معا . ويكون الجوهر عندهم إمّا جوهر ( ا ) بإطلاق وإمّا جوهر ( ا ) لشيء ما . ( 67 ) وأمّا في الفلسفة فإنّ الجوهر يقال على المشار إليه الذي هو لا في موضوع أصلا . ويقال ( على ) كلّ محمول عرّف ما هو هذا المشار إليه من نوع أو جنس أو فصل ، وعلى ما عرّف ماهيّة نوع نوع من أنواع هذا المشار إليه وما به ماهيّته وقوامه - وظاهر أنّ ما عرّف ما هو نوع نوع من أنواع هذا المشار إليه فهو يعرّف ما ( هو ) هذا المشار إليه . وقد يقال على العموم ( على ) ما عرّف ماهيّة أيّ شيء كان من أنواع جميع المقولات ، وعلى ما به قوام ذاته ، وهو الذي بالتئام بعضها إلى بعض تحصل ذات الشيء ، وهي التي إذا عقلت يكون قد
--> ( 10 ) م ( ح ، صح ) . ( 11 ) من اللبن م . ( 12 ) منهم م . ( 13 ) جزء م . ( 14 ) جزء م .