أبي حيان التوحيدي
87
المقابسات
قال علي بن عيسى : وتقوض المجلس وأهله يتعجبون من جأش أبي سعيد ولسانه المتصرف ، ووجهه المتهلل ، وفوائده المتتابعة . * * * وقال له الوزير ابن الفرات : عين اللّه عليك أيها الشيخ ، فقد ندّيت اكبادا ، وأقررت عيونا ، وبيضت وجوها ، وحكت طرازا لا تبليه الأيام ، ولا يتطرقه الحدثان . * * * قال [ أبو حيان ] : قلت لعلي بن عيسى : وكم كان سن أبي سعيد يومئذ ؟ قال : مولده سنه ثمانين ومأتين وكان له يوم المناظرة أربعون سنة ، وقد عبث الشيب بلهازمة ، هذا مع السمت والوقار والدين والجد ، وهذا شعار أهل الفضل والتقدم ، وقل من تظاهر وتحلى بحليته إلا جل في العيون ، وعظم في الصدور والنفوس ، وأحبته القلوب ، وجرت بمدحه الألسنة . وقلت لعلى ابن عيسى : أكان أبو علي الفسوي حاضرا في المجلس ؟ قال : لا ، كان غائبا وحدث بما كان . وكان الحسد لأبى سعيد على ما فاز به من هذا الخبر المشهور والثناء المذكور . * * * قال أبو حيان : وقال لي الوزير عند منقطع هذا الحديث : ذكرتني شيئا كان في نفسي وأحببت أن أسألك عنه واقف عليه : أين أبو سعيد من أبى على ؟ واين علي بن عيسى منهما ؟ واين المراغي أيضا من الجماعة ؟ وكذلك المرزباني وابن شاذان وابن الوراق وابن حيوية ؟ فكان من الجواب : أبو سعيد أجمع لشمل العلم ، وأنظم لمذاهب العرب ، وأدخل في كل باب ، وأخرج عن كل طريق ، وألزم للجادة الوسطى في الدين والخلق ، وأروى للحديث ، وأقضى في الأحكام ، وافقه في الفتوى ، وأحضر بركة على المختلفين ، وأظهر أثرا في المقتبسة