أبي حيان التوحيدي

83

المقابسات

ومراتبها ، وغير ذلك مما يطول ذكره ، فليس لكم فيه مقال ولا مجال . وأنت إذا قلت لانسان : كن منطقيا . فإنما تريد : كن عقليا أو عاقلا ، أو اعقل ما تقول ! لأن أصحابك يزعمون أن المنطق هو العقل . وهذا قول مدخول . لأن المنطق على وجوه أنتم منها في سهو . وإذا قال لك آخر : كن نحويا لغويا فصيحا . فإنما يريد : افهم عن نفسك ما تقول ، ثم رم أن يفهم عنك غيرك وقدّر اللفظ على المعنى فلا ينقص منه . هذا إذا كنت في تحقيق شئ على ما هو به . فاما إذا حاولت فرش المعنى ، وبسط المراد ، فأحل اللفظ بالروادف الموضحة ، والأشباه المقربة ، والاستعارات الممتعة ، وسد المعاني بالبلاغة ، اعني لوح منها شيئا حتى لا تصاب إلا بالبحث عنها ، والشوق إليها ، لأن المطلوب إذا ظفر به على هذا الوجه عز وجل ، وكرم وعلا ، واشرح منها شيئا حتى لا يمكن أن يمترى فيه ، أو يتعب في فهمه ، أو يسترح عنه لاغتماضه . فبهذا المعنى يكون جامعا لحقائق الأشباه ، ولأشباه الحقائق ، وهذا باب إن استقصيته خرج عن نمط ما نحن عليه في هذا المجلس ، على انى لا أدرى أيؤثر ما أقول أم لا ثم قال : حدثنا ، هل فصلتم قط بالمنطق بين مختلفين ، أو رفعتم بالخلاف بين اثنين ؟ أتراك بقوة المنطق وبرهانه اعتقدت أن اللّه ثالث ثلاثة ، وأن الواحد أكثر من واحد ، وأن الذي هو أكثر من واجد هو واحد ؟ وأن الشرع ما تذهب اليه ، والحق ما تقوله ؟ هيهات ! هاهنا أمور ترتفع عن دعوى أصحابك وهذيانهم ، وتدق عن عقولهم وأذهانهم ، ودع هذا ؛ هاهنا مسألة قد أوقعت خلافا فارفع ذلك الخلاف بمنطقك ؟ قال قائل : « لفلان من الحائط إلى الحائط » ما الحكم فيه ؟ وما قدر المشهود به لفلان ؟ فقد قال ناس : له الحائطان معا وما بينهما . وقال آخرون : له النصف من كل منهما . وقال آخرون : له أحدهما . هات الآن آيتك الباهرة ، ومعجزتك القاهرة ؟ ! وأنّى لك بهما