أبي حيان التوحيدي
84
المقابسات
وهذا قد بان بغير نظرك ونظر أصحابك ! ودع [ هذا ] أيضا ، قال قائل « من الكلام ما هو مستقيم حسن ، ومنه ما هو مستقيم كذب ، ومنه ما هو خطأ » فسر هذه الجملة ؟ واعترض عليه عالم آخر ، فاحكم أنت بين هذا القائل والمعترض ، وأرنا قوة صناعتك التي تميز بها بين الخطأ والصواب ، وبين الحق والباطل ؟ فان قلت : كيف أحكم بين اثنين أحدهما قد سمعت مقالته ، والآخر لم أحصل على اعتراضه ! قيل لك : استخرج بنظرك الاعتراض ، ان كان ما قاله محتملا له ، ثم أوضح الحق منهما ، لأن الأصل مسموع لك ، حاصل عندك ، وما يصح به أو يطرد عليه يجب أن يظهر منك ، فلا تتعاسر علينا فان هذا لا يخفى على أحد من الجماعة . فقد بان الآن ان مركب اللفظ لا يجوز مبسوط العقل ، والمعاني معقولة ، ولها اتصال شديد وبساطة تامة ، وليس في قوة اللفظ من أي لغة كان أن يملك ذلك المبسوط ويحيط به ، وينصب عليه سورا ولا يدع شيئا من داخله أن يخرج ، ولا شيئا من خارجه أن يدخل ، خوفا من الاختلاط الجالب للفساد ، أعنى أن ذلك يخلط الحق بالباطل ، ويشبه الباطل بالحق . وهذا الذي وقع الصحيح منه في الأول قبل وضع المنطق ، وقد عاد ذلك الصحيح في الثاني بهذا المنطق ، وأنت لو عرفت العلماء والفقهاء ومسائلهم ووقفت على غورهم في نظرهم ، وغوصهم في استنباطهم وحسن تأويلهم لما يرد عليهم ، وسعة تشقيقهم للوجوه المحتملة ، والكنايات المفيدة ، والجهات القريبة والبعيدة ، لحقرت نفسك ، وازدريت أصحابك ، ولكان ما ذهبوا إليه وتابعوا عليه ، أقل في عينك من السها عند القمر ، ومن الحصا عند الجبل . أليس الكندي « 1 » وهو علم في أصحابك يقول في جواب مسلة « هذا من باب عدة »
--> ( 1 ) هو أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي البصري البغدادي ، ينتهى نسبه إلى ملوك كنده . وكان جده الأشعث بن قيس ملكا على كنده كلها أيام جاهليته ثم أسلم وصحب النبي ( صلى اللّه عليه وسلم ) وكان له بلاء عظيم في الفتوحات الاسلامية . وكان والده إسحاق بن الصباح أميرا على الكوفة في عهد المهدى والرشيد . وأبو يوسف - هذا أول من شهر في الإسلام بالعلوم الفلسفية حتى سمى « فيلسوف الإسلام » وكان يذهب في القول بحدوث العالم مذهب أفلاطون . وله رسائل ومؤلفات في علوم شتى نفقت عند الناس نفاقا عجيبا وأقبلوا عليها إقبالا مدهشا . لأنه كان راسخ القدم في علوم الفلسفة ، والطب ، والحساب ، والمنطق ، والموسيقى ، والهندسة ، والهيئة ، والعدد ، والسياسة ، والآداب ؛ وفي سائر ما عرف من علوم اليونان والفرس والهند في ذلك العهد . وله حديث يدل على الحذق والبراعة والتفوق لم يسمع عن أحد غيره ، لا بأس بتلخيصه هنا . ذلك أنه كان في جواره رجل من أكابر التجار ، وكان هذا الرجل مبغضا له مزريا عليه محقرا لشأنه . وكان لهذا التاجر ولد قد اضطلع عنه بكافة شؤونه ومعاملاته التجارية . فأصيب هذا الولد بالسكتة المفاجئة فذهل الرجل وحار في أمره ، وأمواله في أيدي الناس لا يدرى منها شيئا فلجأ إلى كل طبيب في بغداد يسأله العون على ما أصابه ، من موت ولده وضياع ماله ، فلم يغنه ذلك شيئا ، فقيل له : أنت في جوارك فيلسوف زمانه وأعلم الناس بعلاج هذه العلة ، فلو قصدته لوجدت عنده ما تحب . فدعته الضرورة إلى أن تحمل على الكندي بأحد إخوانه . فلما رأى الكندي ابنه وما هو عليه أخذ مجسه ثم أمر باحضار تلاميذه في علم الموسيقى ولا سيما الحذاق منهم بضرب العود العارفين بضروب النغم عليه ، فحضر منهم أربعة فأوقفهم على طريقة خاصة وأمرهم بالضرب عليها عند رأسه . ثم أخذ مجس المريض فبيناهم يضربون إذا بنبضه يقوى وبنفسه يمتد ، وإذا به يتحرك ثم يجلس ويتكلم ، والضاربون لا يفترون عما هم فيه ، فقال الكندي للرجل : سل ولدك عن علم ما تحتاج إلى علمه مما لك وعليك وأثبته . فجعل الرجل يسأل والمريض يجيب إلى أن استوفى منه علم جميع شؤونه المالية والتجارية . ثم سكت الضاربون فعاد الولد إلى حالته الأولى وتغشاه السكات . فسأله الرجل أن يأمرهم بمعادة الضرب ؟ فقال الكندي : هيهات ، إنما كانت صبابة قد بقيت من حياته ثم انقطعت ، وليس لي ولا لأحد من البشر سبيل إلى الزيادة في مدة من انتهت مدته . وكان الكندي مبخلا وله في ذلك وصية إلى ولده غريبة في بابها ، وهو عند الجاحظ من أئمة البخلاء . ويظهر أنه مات في بغداد أيام المستعين وذلك في حدود سنة 252 ه .