أبي حيان التوحيدي
76
المقابسات
هذا الوصف ؟ بل أنت إلى أن تعرف اللغة العربية أحوج منك إلى أن تعرف المعاني اليونانية ، على أن المعاني لا تكون يونانية ولا هندية ، كما أن اللغات لا تكون فارسية ولا عربية ولا تركية . ومع هذا فإنك تزعم أن المعاني حاصلة بالعقل والفحص والفكر ، فلم يبق إلا أحكام اللغة ، فلم تزر على العربية وأنت تشرح كتب أرسطاطاليس بها مع جهلك بحقيقتها ! وحدثني عن قائل قال لك : حالي في معرفة الحقائق والتصفح لها والبحث عنها ، حال قوم كانوا قبل واضع المنطق ، أنظر كما نظروا ، وأتدبر كما تدبروا لأن اللغة قد عرفتها بالمنشإ والوراثة ، والمعاني نقرت عنها بالنظر والرأي والاعتقاد والاجتهاد . ما تقول له ؟ ! لا يصح له هذا الحكم ، ولا يستتب هذا الأمر ، لأنه لم يعرف هذه الموجودات من الطريقة التي عرفتها أنت ؟ ولعلك تفرح بتقليدك وإن كان على باطل أكثر مما يفرح باستبداده وإن كان على حق ! وهذا هو الجهل المبين ، والحكم الغير مستبين ؟ ومع هذا ، فحدثني عن « الواو » ما حكمه ! فإني أريد أن أبين أن تفخيمك للمنطق لا يغنى عنك شيئا ، وأن تجهل حرفا واحدا من اللغة التي تدعو بها إلى الحكمة اليونانية ، ومن جهل حرفا واحدا أمكن أن يجهل اللغة بكمالها ، وإن كان لا يجهلها كلها ، ولكن يجهل بعضها ، فلعله يجهل ما يحتاج إليه ولا ينفعه فيه علمه بما لا يحتاج ؛ وهذه رتبة العامة ، أو هي رتبة من هو فوق العامة بقدر يسير ؛ فلم يتأبى على هذا وينكر ، ويتوهم أنه من الخاصة وخاصة الخاصة ، وأنه يعرف سر الكلام ، وغامض الحكمة ، وخفى القياس ، وصحيح البرهان ؟ ! وإنما سألتك عن معاني حرف واحد ، فكيف لو نثرت عليك الحروف كلها ، وطالبتك بمعانيها ومواضعها ، التي لها بالحق ، والتي لها بالتجوّز ؟ وسمعتكم تقولون : « في » لا يعلم النحويون مواقعها ، وإنما يقولون هي للوعاء ، كما يقولون إن « الباء » للإلصاق ، وإن « في » تقال على وجوه