أبي حيان التوحيدي
75
المقابسات
الكلام في غير حقه ، ومستعملا للفظ على غير شهادة من عقله وعقل غيره ؟ والنحو منطق ، ولكنه مسلوخ عن العربية . والمنطق نحو ، ولكنه مفهوم باللغة وإنما الخلاف بين اللفظ والمعنى ان اللفظ طبيعىّ ، والمعنى عقلىّ ، ولهذا كان اللفظ بائدا على الزمان يقفو أثر الطبيعة بأثر آخر من الطبيعة ، ولهذا كان المعنى ثابتا على الزمان ، لأن مستملى المعنى عقل ، والعقل إلهىّ ؛ ومادة اللفظ طينية ، وكل طيني متهافت . وقد بقيت أنت بلا اسم لصناعتك التي تنتحلها ، وآلتك التي تزهى بها ، إلا أن تستعير من العربية لها اسما فتعار ، ويسلم لك بمقدار ؛ وإن لم يكن لك بد من قليل هذه اللغة من أجل الترجمة . فلا بد لك أيضا من كثيرها ، من اجل تحقيق الترجمة واجتلاب الثقة والتوفى من الخلة اللاحقة بك قال متى : يكفيني من لغتكم هذا الاسم والفعل والحرف فإني أتبلغ بهذا المقدار إلى أغراض قد هذبتها لي يونان ؟ قال أبو سعيد : أخطأت ، لأنك في هذا الاسم والفعل والحرف فقير إلى وضعها وبنائها على الترتيب الواقع في غرائز أهلها ، وكذلك أنت محتاج بعد هذا إلى حركات هذه الأسماء والأفعال والحروف ، فان الخطا والتحريف في الحركات كالخطاء والفساد في المتحركات ؛ وهذا باب أنت وأصحابك ورهطك عنه في غفلة ، على أنّ هاهنا سرا ما علق بك ، ولا أسفر لعقلك ؛ وهو أن تعلم أن لغة من اللغات لا تطابق لغة أخرى من جميع جهاتها بحدود صفاتها ، في أسمائها وأفعالها وحروفها ، وتأليفها وتقديمها وتأخيرها ، واستعارتها وتحقيقها ، وتشديدها وتخفيفها ، وسعتها وضيقها ، ونظمها ونثرها ، وسجعها ووزنها وميلها ، وغير ذلك مما يطول ذكره . وما أظن أحدا يدفع هذا الحكم أو يسأل في صوابه ممن يرجع إلى مسكة من عقل ، أو نصيب من إنصاف ! فمن أين يجب أن نثق بشيء ترجم لك على