أبي حيان التوحيدي

63

المقابسات

ومما أحببت إعلامك وتعريفك بما تأدّى إليك ، ان أبا عبيدة لعنه اللّه تعالى بنحسه ودسه وحدسه ، اغتالنى ليكلم ديني من حيث لا أعلم ، وينقلنى - عما أعتقده وأراه وأضمره من الايمان بالله عز وجل ، وبرسوله ( صلى اللّه عليه وسلم ) موطّدا - إلى الزندقة بسوء نيته إلى الهندسة ، وأنه يأتيني برجل يفيدنى علما شريفا تكمل به فضائلى ، فيما يزعم ، فقلت : عسى أفيد براعة في صناعة ، أو كمالا في مروءة ، أو فخارا عند الاكفاء ، فأجبته بأن هلم ؟ فأنانى بشيخ ديراني شاخص النظر ، منتشر عصب البصر ، طويل مشذب محزوم الوسط ، متزمل في مسكه ، فاستعذت بالرحمن إذ نزغنى الشيطان ، ومجلسي غاص بالأشراف من كل الأطراف ، وكلهم يرمقه ويتشوف إلى رفعتى مجلسه وإدنائه وتقريبه ، ويعظمونه ويحيونه ، واللّه محيط بالكافرين . فاخذ مجلسه ، ولوى أشداقه وفتح أوساقه ، فتبينت في مشاهدته النفاق ، وفي ألفاظه الشقاق . فقلت : بلغني أن عندك معرفة من الهندسة ، وعلما واصلا إلى فضل يفيد الناظر فيه حكمة وتقدما في كل صناعة ، فهلم أبدنا شيئا منها عسى أن يكون عونا لنا على دين أو دنيا ، في مروءة ومفاخرة لدى الأكفاء ، أو مفيدا زهدا ونسكا ، فذلك هو الفوز العظيم ، « فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز » وما ذلك على اللّه بعزيز . قال : فأحضرنى دواة وقرطاسا ، فأحضرتهما اليه فأخذ القلم ونكت نكتة ، نقط منها نقطة تخيلها بصرى ، وتوهمها طرفي ، كأصغر من حبة الذر ، فزمزم عليها من وساوسه ، وتلا عليها من حكم أسفار أباطيله ، ثم أعلن عليها جاهرا بافكه ، وأقبل على وقال : أيها الرجل ، إن هذه النقطة شئ لا جزء له . فقلت : أضللتنى ورب الكعبة ، وما الشئ الذي لا جزء له ؟ فقال : كالبسيط . فاذهلنى وحيرنى وكاد يأتي على عقلي ، لولا أن هداني ربى ؛ لأنه أتاني بلغة ما سمعتها من عربى ولا عجمي ، وقد أحطت علما بلغات العرب وقمت بها واستبرتها جاهدا ، واختبرتها