أبي حيان التوحيدي

57

المقابسات

من رجل ليس منا ، ولا من أهل ملتنا ولغتنا ، ولعله ما خبر عمر بن الخطاب كل الخبرة ، ولا استوعب ما للحسن من المنقبة ، ولا وقف على جميع ما لأبى عثمان من البيان والحكمة ؛ يقول هذا القول ، ويعجب هذا العجب ويحسد أمتنا بهم هذا الحسد ، ويختم كلامه بابى عثمان ، ويصفه بما يأبى الطاعن عليه أن يكون له شئ منه ، ويغضب إذا ادعى ذلك له ، وانه للموفر عليه ؟ هل هذا الا الجهل الذي يرحم المبتلى به . . . ؟ * * * قلت : الظاهر أن أبا حيان بلغه إطراء عن ثابت لهؤلاء الرجال الثلاثة فتمثل هذا الاطراء وصاغه في هذا الأسلوب ونسبه إلى ذلك الحكيم الصابئ ليكون لهذه الكلمة شأنها متى نسبت إلى صابئ لا ينتظر أن يعنى كثيرا بهذه الناحية من رجال الإسلام مفاضلة بين بعض العلماء وبين الجاحظ قال أبو حيان - وهو يفاضل بين بعض العلماء وبين الجاحظ : - ومنهم علي بن عيسى الرّمّانى « 1 » فإنه لم ير مثله قط بلا تقية ولا تحاش ، ولا اشمئزاز ولا استيحاش ، علما بالنحو ، وغزارة في الكلام ، وبصر بالمقالات ، واستخراجا للعويص ، وإيضاحا للمشكل ، مع تأله وتنزه ، ودين ويقين ، وفصاحة وفقاهة ، وعفاف ونظافة .

--> ( 1 ) هو أبو الحسن علي بن عيسى بن عبد اللّه الرماني ، وكان يعرف بالاخشيدى وبالوراق ، لكن الشهرة بالرمانى هي التي غلبت عليه . أحد مشاهير الأئمة في مختلف العلوم ، وكان متكلما على مذهب المعتزلة أهل العدل والتوحيد . وكانت له يراعة فائقة في مزج النحو بالمنطق حتى عد في ذلك من أعاجيب الدنيا ، قال أبو علي الفارسي : إن كان النحو ما يقوله الرماني فليس معنا منه شئ ، وإن كان النحو ما نقوله فليس معه منه شئ . والمسألة هي أن الرماني كان يبرهن على القضايا المنطقية بالعلل النحوية ، ويعلل قواعد النحو بالقضايا المنطقية . وسيره عليك في المقابسات آراء شافية في هذا الشأن . ولد سنة 276 ه . وتوفى سنة 384 ه .