أبي حيان التوحيدي
58
المقابسات
ومنهم أبو سعيد السيرافى ، شيخ الشيوخ ، وإمام الأئمة ، معرفة بالنحو والفقه واللغة والشعر والعروض والقوافي والقرآن والفرائض والحديث والكلام والحساب والهندسة . أفتى في جامع الرصافة خمسين سنة على مذهب أبي حنيفة فما وجد له خطأ ، ولا عثر منه على زلة ، وقضى ببغداد ، وشرح كتاب سيبويه في ثلاثة آلاف ورقة بخطه في السليماني فما جاراه فيه أحد ، ولا سبقه إلى إتمامه إنسان . هذا مع الثقة والديانة والأمانة والرواية ، صام أربعين سنة وأكثر الدهر كله . قال أبو حيان : قلت لأبى محمد الأندلسي « 1 » وكان في عداد أصحاب السيرافى : قد اختلف أصحابنا في مجلس أبي سعيد السيرافى في بلاغة الجاحظ وأبي حنيفة « 2 » صاحب النبات ، ووقع الرضى بحكمك ، فما قولك ؟ فقال : أنا أحقر نفسي عن الحكم لهما أو عليهما . فقلت : لا بد من قول ، قال : أبو حنيفة أكثر نداوة ، وأبو عثمان أكثر حلاوة . ومعاني أبى عثمان لائطة بالنفس سهلة في السمع ، ولفظ أبي حنيفة أعذب وأعرب وأدخل في أساليب العرب قال أبو حيان : والذي أقوله وأعتقده ، وآخذ به ، وأستهام عليه ؛ أنى لم أجد في جميع من تقدم وتأخر ثلاثة لو اجتمع الثقلان في تقريظهم ومدحهم
--> ( 1 ) هو أبو محمد عبد اللّه بن حمود الزبيدي الأندلسي . قال الصفدي : كان من فرسان النحو واللغة والشعر ، وكان مغرى بكلام الجاحظ حتى أنه كان يقول : رضيت في الجنة بكتب الجاحظ عوضا عن نعيمها . وله ذكر كثير في كتاب المقابسات لأنه كان من أصحاب أبي سليمان المنطقي ( 2 ) أبو حنيفة : هو أحمد بن داود بن ونند أبو حنيفة الدينوري : كان قيما بعلوم شتى ، وقد نال شهرة عظيمة بكتابه الذي لم يؤلف إلى وقته مثله في النباتات . وكان من نوادر الرجال الذين جمعوا بين آداب العرب ومعارف الأقدمين . مات سنة 282 ه .