أبي حيان التوحيدي
378
المقابسات
فإذا كان هذا في المثال الحسى على ما تجده من غير شك ولا مرية ، فما قولك في الحقيقة العالية والغاية الإلهية والنهاية الأصلية ؟ ! يا هذا إن الامر لعظيم ، وإن الشأن لخطير ، وإن المطلوب لعزيز ، وما هو إلا أن تصمد نحو السعادة بتطهير الاخلاق ، وتجريد العادة ، وإصلاح السيرة ، وتقديم الجد في الرأي ، وقصد العزم بالجزم ، وتوخى العمل بما له مرجوع ، في العاجل بالثقة ، وفي الآجل بالحقيقة ، مع الاشفاق على تضييع الزمان وتصرم العمر وتقطع أنفاس الحياة حتى تلقط المشترى والزهرة بيدك ، وتخرق كل حجاب دونهما بجوهرك وتصير فوقهما بحقيقتك ، وتنال حينئذ ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا سنح على بال أحد من الانس . فليكن ميل مثلكم إلى الحكمة ميل من يتخذها مطية لدرك الأمل ، فإنه سيجدها كنزا نافعا في آخر العمل لا ميل من عادل بها ، وليسع بذكرها ويعرضها في أسواق الجهال ، وينادى عليها بين السفهاء والأنذال ، ويرضى بعرض الدنيا خلفا وبدلا عنها ، فكل ما كان هذا دأبه فقد انغمس في بحر الشقاء وسقط في مثوى البلاء والفناء لا يرتجى لدائه برء ، ولا لعلته شفاء ، ولا لصرعته انتعاش ، ولا لأسره فكاك . أخذ اللّه بنواصينا ونواصيكم إلى ما أعده للأخيار الأبرار . تجولوا عن هذه الدار بحسن الاختيار لا بقبح الاضطرار . والسلام . تمت المقابسات ولواهب العقل المجد سرمدا ، وصلاته وسلامه وتحياته وإكرامه على سيدنا محمد النبي المبعوث إلى الخلق كافة وآله ، لا إله إلا اللّه ، ولا معبود سواه