أبي حيان التوحيدي

377

المقابسات

يكون هذا الانسان واحدا في الغاية طلبت له صورة الوحدة من الثلاثة . وهذه الصورة تلتئم من الثلاثة ، واستحال أن يكون مركبا بالنفس الواحدة ، أعنى الناطقة ، لأنها لا تقبل التركيب . ولهذا تجد الاجرام العلوية بواطن لأنها عادمة للمزاج والتركيب والشوق . فلما كان الانسان متقوما من جزء ناطق ، وجزء حي ، وجزء مائت ، وكان بالناطق يفهم ويرتب ويهذب ، وبالحي بحس ويتحرك ويسكن ، وبالمائت ينتهى ويفسد ويبطل ، كان جميع ما يحيط به عقلا ، أو يدركه حسا ، أو يفرضه مدخولا ، ناقصا متخفيا متلوما . حتى إذا قوى الجزء الناطق الإلهي واقتنى خصائصه وملك ما هو اللائق به من العلم الحق والعمل الحق ، حينئذ أهمل الجزءين ، أعنى ما هو متحرك حساس وما هو ميت باطل ، وإن شئت ما هو بهيمى وبه يسعى ؟ خلص إلى أفقه العلى ومكانه البهى ، خلوصا يريحه من كل ما عاق التركيب والتقليب والاستحالة والاستبادة والعفاء والدثور وبلغ مغناه الذي كان معرضا للحوق به والمصير اليه . فالحق المعتقد ، والخير المؤثر ، والصواب المتحلى ، والجود المعتاد ، والزهد المقدم ، ورفض سائر ما عاند الفضائل وحجب عنها وحال دونها ، فلا زال هناك باقيا بقاء لا آخر له . وكيف يكون له آخر وانقطاع وحيلولة وارتجاع ، وقد استفاد ذلك البقاء من الحق الأول والموجود الذي ليس قبله موجود بالتشبيه والاقتداء والمماثلة والاهتداء والتعمم والارتداء ؟ هذا ما لا يجوز أن يظن بحس أو بعقل . وأنت ترى في الشاهد ملكا حكيما صارما شهما سائسا جلدا يرغب كل أحد من خدمه وخاصته ، ورعيته وأوليائه في خدمته ، وحضور مجلسه في التشبه به وبأخلاقه وهممه ، طلبا للكرامة منه ، والحظوة عنده ، وعلما بان القرب منه والدنو إليه مصرفة للآفات عنه ، مجلبة للعزلة ، مدعاة للامانى عنده ، وأن الأطماع تنقطع عنده ، والجاه والقدرة يعظمان به ، والعزة والمجد يسعان به عليه ، وترى كل واحد من الخاصة والعامة يبذل وسعه ، وينفد جهده ، ويسال عما يمكنه يمينه لينال تلك الحال ، وتلك المنزلة ، وتلك السعادة ، وتلك الغبطة ،