أبي حيان التوحيدي
376
المقابسات
غيره لكان أيضا موجودا ولو كان دونه لكان أيضا موجودا . فعلى هذا كما تراءى للعين ، أو ثبت للحس ، أو انتصب للنفس ، أو تحقق بالعقل ، من غير فرض ولا توهم ولا وضع ، فهو موجود ما بالقوة وإما بالفعل قيل له : فما الغنى ؟ قال : صورة العقل مشهود بالحس المتناهى ، مطلوب بكل غاية ، محفوظ بكل رعاية ، مؤثر بكل إيثار ، مختار بكل اختيار ، غاية كل طالب ، ويقين كل شاك ، وسكون كل قلق ، وراحة كل متحير . بسيط بالعقل ، مركب بالحس ، مظنون بالظن ، موهوم بالوهم ، نظام كل موجود ، وقوام كل محدود ، وتمام كل مشهود . ثم قال : ومن عجائبه أن من حاول إظهار باطل لا يستطيعه ولا يقدر عليه ولا يتمكن منه بوجه ولا بسبب حتى يشوبه به أو بشيء منه ، لا يقبل وهو صرف ، ولا ينقاد وهو بحت . هذا يدل على أن هذا العالم الذي هو في هيئته باطل لكونه وفساده ، ومفتقر إلى ذلك العالم الذي هو في حقيقته حق لصحته وتمامه ، واستقامته والتئامه ، ولأنه لا طريق للكون والفساد إليه . هذا إذا كان المبطل قاصدا الباطل باختياره وحوله وقد يكون الانسان على غير هذا الرأي بأن يقصد الحق المحض والصواب المجرد فلا يبلغ أيضا غاية مراده إلا بشيء يخلص إليه من غير أن يستصحبه أو يريده أو يرومه . وهذا لأن الناظر في الحق الطالب للحق ، ممزوج مركب ومشوب مخلط ، لا يكمل له شئ من حظيرة العقل الانسي يلتبس به من ناحية الحس ، وهو في الأصل متهيئ لقبول ذلك . لأن معجون طينته ومركب نصابه وأول سوسه هكذا وقع [ و ] عليه استمر ، ولهذا يعينه بالتكثر عليه أسهل من التوحد ، والتوحد عليه أعسر من التكثر . ومن له بالبراءة من هذه الحال ، وتقديس نفسه من هذا الدنس ، وهو ذو أنفس ثلاث : ناطقة هو بها أقل ، وبهيمية هو بها أكثر ، وسبعية هو بها أظهر ؟ وهذا الاعتبار يقتضى أن يكون بالأكثر أكثر ، وبالأقل أقل . ولما اتفق بالعرض أن