أبي حيان التوحيدي

375

المقابسات

قيل له : فما الشريعة ؟ قال : هيئة في آخر الذروة البشرية ، تصدر عن القوة الإلهية ، وتنشأ لها من النفس فواتح طبيعية ، وأوائل حسية قيل له : أفما صدر من العلو أشرف أم [ ما ] نشأ عن السفل فقال : فاتحة القوة الصادرة من هناك أشرف ، وغاية الناهية من هاهنا أسرف . قال : ومما يوضح هذا أن تلك ترسخ في الزمان بعد الزمان لأنها في غايتها تقوى وتصح وتظهر وتنبث وتتمكن وتثبت . وسعادة الشريعة علمية وفيها أفناء الحكمة ، وسعادة الفلسفة عملية وفيها حقائق العمل ، والعلم [ وصف ] الهى ، والعمل نعت بشرى ، وتلك استصلاح القلوب النافرة ، واستجماع النفوس الشاردة الآبية . وهذه روح للنفوس المكروبة ، وجلاء للصدور الصدية ، وارتقاء إلى المعارف العلية ، بالسيرة المحمودة المرضية . وتلك تعطيك جملة مقنعة ، وهذه تعطيك مفصلة مونقه . ومتى أراد شرعي أن يعرف الطبيعة والنفس والعقل والأول وآثارها وأسرارها وعيونها وودائعها وما في أعماقها ، قد ألقى اليه ، وقصر باله عليه ، ونبطت عروقه ، وفجر ينبوعه منه ، لم يجد سبيلا إلى حرف منها إلا برمز غير شاف ، وعلامة غير بالغة ، ودعوى غير مثبتة . ومتى رام فيلسوف أن يضع ناموسا إلهيا محلا بالكلمات الصحيحة ، مؤيدا بالعقول السليمة ، مجموعا فيه مصالح البرية ، قدر على ذلك . وقد تم هذا في قديم الدهر عند مس الحاجة اليه ثم دثر على الأيام كما دثر سائر ما يأتي عليه الزمان وكان جميع ما ثقفناه ولقناه عن الشيوخ في مجالس مختلفة مع جماعة متفاوتة فلذلك ما استوثق هذا القدر الذي ملكته هذه المقابسة ، وقد بقي شئ يسير وأنا أجمله بتمامه إن شاء اللّه تعالى قيل : فما الموجود ؟ قال : ليس فوقه ما ينعت به ، ولا دونه ما يحط إليه ، لأنه لو لان فوقه