أبي حيان التوحيدي
368
المقابسات
خلص النظر من شوائبه ، وصفا البحث من عواقبه . وارتفع الحاجز الذي قصد وانتفى العارض الذي تعرض ، وجدت حقيقة هذه الحال من غير تجوز ولا اختلاف . فالهوى من عوارض الطبيعة ، والحب من علائق النفس ، والعشق من محاسن العقل . وكل واحد من هؤلاء الذين سمينا هو صاحبه في موضعه ، وحكمه بحكمه في مكانه . ومتى اقتص « 1 » الفاضل الحكيم هذه الأوائل وساق إليها هذه الثواني رقى من الأدنى إلى الأشرف ، وانتسب إلى الأقوى دون الأضعف ، وهي كالطرق المذللة ، والسلاليم الموصلة بخلانيتى وينسب بغيره [ ؟ ] حتى إذا أنيل الفوز بمعاينة الغاية التي هي الغرض الأول والمراد الأفضل ، أدرج ما عدا ذلك كله إدراجا ، وطوى ما سواه طيا . وهذه كالرؤيا لا تأويل لها إلا رياضة الانسان طبيعته ؛ حتى لا يتم إلا ما ينبغي ولا يأتي إلا ما يحب ، ولا يقول إلا ما يحق حنينه ، لا يتطاول إلى ما ينحط عنه ، ولا يتشرف بما يزدهيه ، ولن يتم له ذلك أولا وآخرا إلا بمواصلة العقل وصحبته والعمل برسمه والتسرع إلى قبول نصحه . والعقل وإن لم يكن بأسره عنده فمعه جزء ينزع بشرفه إلى أصله يضيء له بأنوار السيرة الفاضلة والاخلاق الحميدة ، ويكف هوائج الطبيعة ، ويحسم مواد العادة الرّديئة ، ويحث على استعدادها لا يستغنى عنه في العاقبة ، ويوزع العدل الذي هو صورته على الأحوال الراسخة والطارئة ، ولن يتم هذا كله إلا بهذا الانسان دون أن يكون مهيئا له بالأصل معرضا له في الفرع ثم قال : ولأتمت فيك ما أحياه اللّه لك ، ولا تزعج على نفسك ما كفه اللّه عنك ، وخذ بآداب أهل الحكمة نفسك وغذ بها روحك ، واستر عليها عادتك ، واجعل الخير كله إرادتك ، ولا تكترث بسيلان طينتك ، وذوى عودك ، وتعادى أخلاطك ، وتزايل أوصالك ، وارتداد نفسك ، ومفارقة الفك ، واستحالة عنصرك ، وفساد مزاجك ، ودوام اختلاجك ، وتعذر
--> ( 1 ) في الأصول : أقبض