أبي حيان التوحيدي
369
المقابسات
تدبيرك في عاجلك ، فإنك باق بحقيقتك ، دائم بجوهرك ، موجود بذاتك ، واحد بأنيتك ، كامل في جملتك ، سعيد في تفصيلك ، عجيب في شرك ، ظريف في خيرك ، بديع في شأنك ، صلة الدهر ، وعنوان الغيب ، ومحجوب الشاهد ، وتمام العين ، ونظام السلك ، وضالة كل طالب ، ورضى كل واجد ، ونافى كل وحشة ، ومحضور كل أنسة ، ورقيب كل حاضر ، ونجى كل غائب . هذا بعض حديثك وجزء من شأنك ، وبعض ما يتراءى بعينك ، ويتناجى في أذنك ، وينسرب في فؤادك ، ويدغدغ [ في ] روحك ويجيب عنك ورقك ، ويسيغ فيك طرفك ، ويريك فيك ، ويحول عليك ، ويعرضك فيك لك ، ويعرفك إياك ، ويحدثك بك ، ويدنيك منك ، ويقربك إليك ، ويحضرك بين يديك ، ويعيشك ويعشقك ، ويجودك ويرودك ، ويريحك ويحيطك ، ويحيط بك ويحتاط لك . فيا لها عطية ويا لها سعادة ! لو كان للسامع فطنة بل عزمة بل قصد بل توفيق ، إنها لبشرى . أما سرّك في الثاني حسن حصلت في الأول من البشر ، أما يسرك أن تصفو من هذا الكدر ، وتنقى من هذا القشر والقذر ، وتصير في زمرة الملأ الأكبر ؟ حيث لا بلاء ولا ذوب ولا شوب ولا غير . حيث لا يصل إليك البطلان ، ولا تتسلط عليك الأحزان . حيث تبدو عينك في بهاء شعاع في معدن الأمن والقرار ، بعد استيفاء مدة هذا الليل والنهار حيث لا تنطق بلسان يناله عي ولا حصر ، ولا تهيم بنفس يعتريها طيش وضجر ، ولا تسمع بآذان يلجها أذى ، ولا تنظر بعين يغشاها قذى . حيث تستهلك الإلهية البشرية ، وتستغرق الربوبية العبودية . حيث لا تنعقد بطين ، ولا تنحل بماء ، ولا تقلب بهواء ، ولا تحرق بنار ، ولا تكمل بمزاج ، ولا تعتدل باخلاط . وبالجملة حيث لا سلطان للطبيعة عليك ، ولا سريان لهواها فيك ، ولا تخطيط من رسومها وأشكالها عندك . حيث لا تظن فتخطئ ولا تتمنى فتخسر ، ولا تأمل فتخاف ، ولا تحرك فتسكن ، ولا تسكن