أبي حيان التوحيدي

357

المقابسات

105 مقابسة [ في أن النوم شاهد على المعاد ] سمعت أبا سليمان يقول : لو لم يكن في النوم من الحكمة إلا أنه شاهد على المعاد لكفى ، دع ما فيه من راحة الأعضاء ، وسكون الجرم ، واستجلاب القوة إليها بعد العياء والكد ، ولو كان النوم حالا مصمتة لا شعور لصاحبها بها من أولها إلى آخرها لكانت الوحشة داخلة ، والشك قائما ، والتهمة واقعة ولكنها حال يتزود الانسان منها أمورا غريبة وأحوالا عجيبة ، ويتلقف منها غيبا كثيرا ، ويستقبل منها عيانا ظاهرا ، فهل هذا الرمز من اليقين إلا على ما سلف القول فيه من ثبات النفس على حال واحد لا تنام والنوم شبيه بالموت ؟ فإذا لا تموت ، لأن الموت شبيه بالنوم ؟ فالحالان جميعا قد زالتا عنها وحطتا دونها وفاتحة هذه المقابسة مدخولة ، ولكن الشيخ كذا قال : والاعتراض عليه مع علو رتبته في الحكمة وجميل ظننا به في الإجابة والإصابة ، ليس من حقه علينا ولا مما يجمل في الحال التي تجمعنا ، أعنى أنه كان الأولى أن يقول : لو لم يكن في النوم من الحكمة إلا أنه راحة لأبداننا ، وجمام لأرواحنا وتخفيف عنا أثقال ما عملنا في اليقظة بضروب التصرف وأصناف الحركات لكفى ؟ دع ما فيه من الشاهد على المعاد الذي عنه نبحث مجتهدين ، وعليه نكون مضطرين ، ومن أجله ننفث ما في صدورنا متروحين ، وما أحق أكرمك اللّه هذه الغاية بالسعي إليها والتشمير لها ، وبذل كل موجود ومذخور دونها ، والاستعانة بكل صاحب وقريب فيها