أبي حيان التوحيدي

358

المقابسات

فيها ، واستخلاص الروية في تحصيل حقيقتها ، ورفض الراحة والدعة عند فرصة تلوح من ناحيتها ، وبالحق وجب هذا الاجتهاد والاحتشاد ، وهذا الفرق وهذا التحفظ والتيقظ ، وهذا التبارى والتحارس ، وهذا التنادى والتنافس ، وهذا الغدو والرواح ، وهذا التثبت والسياح ، لأن الانسان في هذا العالم وإن بلغ المنتهى في أماني نفسه من كل علم كالهندسة والحساب والنجوم والطب وسائر أجزاء الفلسفة ، وكذلك إن اشرف على غاية كل علم يتعلق بالأديان والآراء والمقالات والنحل ، فان آخر مطالبه أن يعلم معاده ويعرف منقلبه ، وكذلك أيضا إذا بلغ في الدنيا كل حال علية ، وكل دولة سنية ، من المال والثروة واليسار والعزة والأمر والنهى والتأييد « 1 » على أصناف البرية ، ونيل كل شهوة ولذة ، وبلوغ كل إرادة وأمنية ، فان آخر ما يقترحه أن يقف على ما يتحول إليه ويصير مرتهنا به ومفكوكا منه ، فقد صار النظر في هذه الخاصة والخالصة من أشرف ما في قوة الانسان وأعلى ما في همته وأعظم فوائده ، ولغلبة هذا المطلوب على جميع الخلائق حاموا حوله ، ورادوا مراده ، ووردوا شرائعه ، وسلكوا شوارعه ، وعلوا روابيه ، وخاضوا سوابيه ودوابيه ، حتى اتفقوا على إثبات هذه الغاية لشدة حاجتهم إليها وتوقد حسرتهم عليها . هذا مع اختلافهم في تحقيقها على ما ينبغي لها حتى هتف قوم بما ألقى على السنة الأنبياء ، وهينم قوم بما رأوه من التناسخ في الادوار ، وتخافت قوم آخرون بأمور تبهرجها معوز ، والإطناب في إحصائها متعب . فاستخلص أكرمك اللّه نيتك وعزيمتك في البحث عن هذه الغاية مع الرفق الذي كل من لابسه وصل به إلى ما طلب منه ، فان المكث تحت هذا السقف على هذا الظهر يسير ، والتنقل وشيك ، والحاجة إلى الزاد ماسة ، والعائق مع هذا كله عظيم ، والتناصر مرفوض ولولا لطف اللّه الذي به تماسكت السماوات والأرض وانتظم كل ما بعد بالحس والعقل ، لكان اليأس يغلب ويستولى ، والقنوط يستحكم ويستعلى

--> ( 1 ) في الأصول والبايدين