أبي حيان التوحيدي

356

المقابسات

عناد في هذه العناصر والجواهر ما دامت سالكة نحو غاياتها ساحبة لقوامها إلى مالها قال : ومن ظن في هذين العالمين غير ما هما عليه فهو في وادى الوهم وأسر الحسبان ، أو به غلبة من مرة أو فساد من خلط ، أو لعل تقليد من تقدمه قد أضله وأعماه وأصمه ، لأن الحكمة بارزة ، والأساس محكم ، والقدرة ظاهرة ، والعجائب منتشرة ، والنظر مستخرج ، والعقل ممجد ، والنفس بحاثة ، والطبيعة متصرفة ، والأمور موروثة ، والأسرار مكتومة ، والشواهد ناطقة ، والأدلة حاضرة ، والأعلام منصوبة . أنظر إلى الشمس في إشراقها ، والنار في إحراقها ، والنجوم في ائتلاقها ، والبحور في أعماقها ، والأرض في اثباتها ، والجبال في انتصابها ، والأودية في انسكابها ، وإلى الغرائب في أضعافها وأثنائها ، تعلم أن الذي هو واحد في الحقيقة هو أملك بها وأولى وأقدر عليها وأعلى عنها . وما أحسن ما قال بعض بلغاء الحكماء فإنه قال : لأمر ما ربطت الجواهر بالأعراض ، ولأمر ما تحركت الكواكب والأفلاك ، ولأمر ما تباينت العقول والأزمان ، ولأمر ما تصرفت الليالي والأيام ، ولأمر ما وضع هذا المهاد مركزا لهذه الأوتاد ، ولأمر ما لا يحجز المعاني المحرك عن تقديره أحد صدق هذا الحكيم الفاضل ، لأمر ما ترى على سنن لاحب ودليل إما شاهد وإما غائب ، إما من جهة الحس وإما من جهة العقل . وقد بان بما تشقق القول فيه من هذه المقابسة أن المتحرك الذي سكن في الثاني إلى مسكن غير من سلبه الحركة التي سكن بعدها ، وليس المحرك مجبرا على التحريك فيحرك ولا يسكن ، بل هو واهب الحركة للمتحرك ونازعها من الساكن ، فالمحرك هو بعينه المسكن ، والمتحرك بعينه هو الساكن ، ومن كان طاهر النفس صافي القريحة صائب النظر ، قصد الجواب ولحظ الحق بدون ما التأم هاهنا من البيان ، ولم يحوج نفسه إلى شك مود إلى وحشة ، فالحق أنس كل عقل ، والباطل وحشة كل نفس