أبي حيان التوحيدي

346

المقابسات

البحث أن تجدها متسقة اتساقا ، ومتفقة اتفاقا ، وموزونة وزنا ، ومعدلة تعديلا ، ومنظومة نظما ، ومعبأة تعبئة ، ومزينة بكل زينة ، ومحلاة بكل حلية ، حتى يقضى اختيارا واضطرار وانتهارا واقتدار أنها زالت عن حالتها المعروفة ، أو حالت عن صورتها المألوفة ، بأقل من مثقال ذرة أو هباءة تربة ، تهافت أصله ، وبطل بعضه وكله ، واضمحل خفيفه وثقيله ، وبار كثيفة ولطيفه ، واضطرب أوله وآخره ، واختل محيطه ومركزه ؟ وهذا لأن الحس حس قضى في الأول فضاء بما في الطبيعة من الخلل والنقص والتلون ، وقديما قيل الحس حاكم مؤنس ، وساع مفسد ، ومتوسط عياب ، وقاض خصم ، ودليل سوء ، ومشاطة مشوطه ( ؟ ) وموضح لابس ، وناقد مدلس وخاطر ملفق ، وصديق متملق ، ومعلم مضل ، ومقوم مزل ، وناصح مزور ، ومرشد مغرر ، وجار مخاتل ، وشريك سروق ، ووافد كذاب . لا مقنع به ولا مفزع اليه ، ولا خير فيه ولا معول عليه . فاما العقل فإنه يقضى بانتظامه ودوامه وسلامته وصحته وثباته واتصاله والتئامه ، وذلك لأن العقل [ رفيق ] عفيف ، وقاض عدل ، وصديق مشفق ، ووالد حدب ، وجار محسن ، وشريك ناصح ، وهاد صدوق ، وصاحب مؤنس ، وخطيب محقق ، وزاد مبلغ ، ومداح مفهم ، ومحدث مطرب ، وجليس فكه ؛ ونور شائع ، وضياء ساطع ، وقول فصل ، وركن وثيق ، وجوهر شريف ، وطود منيف ، ونقطة متصله ، وذات مقدسة ، وخير محض ، وجود بحت من ذا يقدر على مدحه وتقريظه ونشر خصائصه وتحصيل فضائله ؟ له الوجود الحق من الموجود الحق [ و ] له الحكم الفصل من الحكيم العدل وإنما أومأ هذا الشيخ إلى المعنى إيماء خفيا اتسع عنه هذا الذي تراه وتقرؤه ، والعلم ظاهر لنا ، فلهذا يزكو على البذل ، ويزيد على الانفاق ، وثمرته حلوة ، وعوده ناضر ، وسلطانه قوى ، وعزه اقعس ، وذروته عالية . من تحلى به ظهرت عليه جدته ، واستقامت له عادته ، ومن تعرى عنه بخست قيمته ، وبدت عورته