أبي حيان التوحيدي
340
المقابسات
اللسان المدرك للطعوم لا يدركها إلا بالرطوبة واللين المشبهين لرطوبة الهواء ولينه ، قالوا : ثم رأينا المحسة تدرك الحر والبرد في الهواء والماء ورقيق الأبدان ، وأن غليظ الأبدان مستغلق على ما فيه محسوس لا يظهر منه الا الأرق من الأبدان يمازجه فيظهر كرامته فتوصله إلى الحس قالوا : فلما رأينا الأشياء الموصلة متفقة على صفة واحدة من الرقة واللين التي في صفة النور قضينا للنور بجميع وجوه إيصال المحسوس إلى الحواس ، وجعلناه سنخ العلم ومفيده ومستفيده فقلنا النفس النور . وضربوا مثلا فقالوا : مثلها مثل السراج المنير عن نفسه المنير عن غيره المفيد للعلم لغيره . وكذلك النفس حيث كانت علمت وأفادت العلم قد حوت أبقاك اللّه هذه المقابسة ضروبا من الكلام في النفس مختلفة ومؤتلفة ، وأنت إذا عنيت بما سبق في الكتاب وبما يتلوه أيضا في الثاني غنيت عن الاكثار الذي ربما صد عن تحقيق المراد ، والكلام كله بين زيادة ربما جلبت الفساد وفتحت بابا إلى الشك ، وبين نقصان ربما جلب الاشكال وصار طريقا إلى اللبس . وهذا إذا كان المتكلم عليه من باب الجلى ومن فن الواضح ، فكيف إذا كان في الغامض الخفي اللطيف المحتجب ؟ وهذا اقتصاد منى وتحفظ واستدعاء للمراقبة والتيقظ ، فقل من استرسل وخطب مطنبا وأعجب بما يأتي به مستحسنا إلا دخل على صوابه ما يثلمه ويكسره ، وغلب على خطله ما يتأدى به ويشهره . وخير الكلام في الواضح الجلى أن يكون لطيفا يستجمع إلى السامع ما يربط مراده ، وفي الغامض الخفي أن يكون مكشوفا ليلحق السامع منه ما نحاه ببحثه وطلابه . فأما إذا تهافتت المعاني تارة بسوء التأليف ، وتارة بالاكثار ، وتارة بالتعريض ، دخلها الخلل ولم يبلغ المحصل لها على ما قد ثبت رأيه وساق نظره وسعيه إليه ، على أنى أعذر كل خطيب مصقع ، وكل بليغ وكل باحث متوغل ، وكل طالب مترفق ، إذا تكلم في النفس وبحث عن شأنها ان يعيا ويحصر ويقصر ، فإن المطلوب في هذا الأمر صعب ، والغاية بعيدة ، والشوط بطيء ، والعجز شامل ، والناصر