أبي حيان التوحيدي

337

المقابسات

بسبب ، وإن كان مجموعا . هذا كله يوجد في الانسان وبالانسان ، ونعوذ بالله من الخبط في القول والعمل وقال آخر : إن البدن يستحيل من حال إلى حال فيكون مرة مواتا ومرة حيوانا ، وضرب مثلا فقال : لما رأينا الأجسام تستحيل عن طبائعها وتستحدث أفعالا لم تكن لها كالماء السائل يستحيل جمدا فيبطل سيلانه ، ويستحدث جمودا وسكونا ويبسا . وكالماء يستحيل بخارا صاعدا بعد أن بدأ هابطا ، وكالماء يغذو ثمر الأزهار ويستحيل دهنا ثم يعود الدهن نارا عند قلب إناه واغتذائها به ، فلما لم يكن في طبعه من استحالته ألا يستحدث فعلا وانسلخ من فعل غيره قضينا على أبدان الحيوان بالاستحالة والتكفؤ بين الموت والحياة ، والحركة والسكون فقلت : الحي هو الميت مستحيلا ، والميت هو الحي مستحيلا ، وضرب مثلا فقال : مثال ذلك عصير العنب يكون عذبا حلوا غير مسكر ، ثم يستحيل خمرا مرا مسكرا ، ثم يعود خلا حامضا مخدرا ، والعنبة واحدة لم تبرح إلا أنها استحالت فتغيرت أفاعيلها لتغير حالاتها ، وكذلك البلحة تكون بسرة ، ثم رطبة ، ثم تمرة فهذه جملة أقاويلهم في أن النفس ليست بعين وأما من زعم أن النفس عين فإنهم اختلفوا في كيفيتها وموضعها وزمانها وحركتها وسكونها وجميع أفعالها ، فزعم منهم زاعم أنها عين سوى البدن ذات موضع يعلم بمفارقتها البدن . وزعم آخر أنها في جميع أجزاء البدن النامية . وزعم آخر أنها ليست تكون إلا في مواضع الحس . واحتج آخر أنها لا تعلم إلا بمفارقة الجسد . وقال : لم نر النفس تعلم إلا صوتا أو عرفا أو طعما أو لونا أو لمسا ، وهذه الأشياء الخمسة لا تقع إلا في هذه الاجزاء الخمسة البقية من البدن ، وهي : العين والأنف والأذن واللسان وسائر البدن للحس ، فلما رأينا النفس محتاجة إلى هذه الحواس الخمس قضينا عليها بالجهل إذا كانت مفردة