أبي حيان التوحيدي

338

المقابسات

وحدها ، وقضينا لها بالعلم إذا قارنت البدن . وضربوا مثلا فقالوا : إنما مثل النفس في حاجتها إلى ذكرنا كمثل النور الذي لا يرى إلا على بدن لا يرى ذلك البدن إلا به . وكالنافخ في المزمار لا يسمع لنفخته صوت إلا بالمزمار ، ولا يسمع للمزمار صوت إلا بالنفخ . وأما الذين قالوا إنها في جميع البدن فإنهم قالوا : لما رأينا النفس إذا فارقت البدن لا ينمى علمنا أن النفس حيث الأجزاء النامية ، لذهاب النمو عند مفارقتها . وضربوا مثلا فقالوا : مثل ذلك [ مثل ] النار التي لا تكون إلا حيث تجد غذاءها ، فإذا فارقها غذاؤها بطلت . فالنار كالبدن ، والغذاء كالنفس . وأما الذين قالوا لا تكون إلا في الأعضاء المحسة فقالوا : لما رأينا النفس لا تفارق البدن إلا علمت ولم نرها علمت إلا في بعض البدن ، علمنا أنها ليست في جميع البدن . وضربوا مثلا فقالوا : إنما مثل أعضاء الحس للنفس [ مثل ] المغناطيس الجرار للحديد ، فهو أفق بين الحديد والحجر ، وكمثل البخار الذي لا يحتاج آلة الحس لذلك . ومنهم من زعم أنها غير ذات موضع تغتذى من البدن بما يشاكلها ، وأنها أجزاء من أجزاء البدن تعلم ببعض أجزاء وتفعل بأجزاء أخر ، فزعموا أنها تعلم بالحدقة والصماخ والخياشيم ، وما أشبه ذلك ، مما لا يقال له ظاهر ولا باطن . وزعموا أنها تفعل بالمعدة والرئة والطحال والدماغ والدم والمرّتين والبلغم من الفواعل التي لا حس لها . وزعموا أنها تعمل وتفعل بالكبد والقلب والكليتين والعصب الذي فيه الحس والحركة . ووصفوها فزعموا أنها هي الروح الحارة الرطبة التي أنشأتها الطبيعة من رقيق الدم الكائن في القلب المصطفى من دم الكبد المستخلص من تصفح الغذاء . وزعموا أن هذه الروح تنبعث من القلب في عرق أجوف ذي طرفين حتى تصل إلى الدماغ منتشرا في عصب الحس والحركة . واحتجوا بقول أسندوه إلى بعض سلفهم وأظنه أفلاطون حيث يقول : إن في البدن ثلاثة ينابيع ، ولكل ينبوع جداول تفيض ما حملت إلى أقطار البدن ، فأحد الينابيع الثلاثة الكبد وهو ينبوع الغذاء ، وجداوله عروق الدم الساقية لجميع الأعضاء