أبي حيان التوحيدي
336
المقابسات
البدن حيا ، وإذا تغير المزاج وانقلبت الهيئة كان مواتا . ومنهم من زعم أن البدن يكون على قدر المزاج ، وبهيئة من الهيئات ليحدث في ذلك البدن عرض يكون حياة ونفسا ، وضرب مثلا فقال : إنا لم نر شيئا مفردا من العالم يفعل بوحدته ، فإذا زاوجه غيره نتجا فعلا ، وذلك انا لم نر برد الحجر يهبطه ولا حره ولا لونه ولا عرفه ولا طعمة ولا صوته ، فلما ازدوجت كان الهبوط لها فعلا ، قال : فلم آثر الانفراد بفعل ! ورأينا الحيوان ركب من أشياء مفردة قلنا إن الحياة ثمرة أفراد ازدوجت وهي عرض في البدن لأن العرض واقع عليها لأنه لا يكون ولا يفسد ، بل الافساد للموضوع ، فلما رأينا الحياة تكون وتبطل بلا فساد البدن جعلناها عرضا حادثا في البدن . وضربوا مثلا وقالوا : إنما مثلها في حدوثها بين الاثنين كمثل الصوت الحادث بين الندين المتضادين ، أو كاللون الحادث بين لونين ، كالسواد الحادث من بين العفص والزاج ، وكغير ذلك من الأشياء ، الألوان والطعوم والاعراض الحادثة من بين الألوان المختلفة ، ويضاف هذا القول إلى زينون « 1 » وهذا ظن زائف ورأى مضعوف وقد سبق في صدر هذا الكتاب ما يستبان معه تأوه النفس من البدن واستقلالها بجوهرها وغناها بحقيقتها وأنها محتاجة إلى البدن إلا إذا أخذت البدن واستعملته وصرفته عن لوازمه وأعراضه اللائقة به ، وأما النفس ذات النطق والعلم والحكمة والبيان والفكر والاستنباط والعقل والنظر فهي أعلى وأشرف من أن يكون لها الوصف بمعونة البدن وإرفاده ، والأسباب الحادثة بالبدن العارضة له معروفة محصاة ، وليست تلك من حقيقة النفس
--> ( 1 ) زينون : هو فيلسوف قديم نشأ في القرن الخامس قبل الميلاد ، ولد بإيطاليا ثم رحل إلى أثينا وتلقى علومه عن أستاذه بامينوس . وهو أول من وضع الطريقة الجدلية لا ثبات الحقائق بنفي ما يناقضها ، فلما جاء أرسطو استعان بها على وضع علم المنطق . وكان زينون هذا موحدا . ولفلاسفة الإسلام عناية بما نقل عنه من الأدلة على وحدانية الخالق ، كما أن بعض المتصوفة استعان بأقواله على إثبات وحدة الوجود