أبي حيان التوحيدي

334

المقابسات

وقال الفيلسوف : العقل وحده لا يموت . أراد بذلك أن يميزه من قوى النفس النامية والحسية ، لأن الحس والنماء يضمحلان ، [ و ] لان النفس استفادتهما من العالم الهيولاني ، وأما العقل فلم يستفد من هذا العالم ، فلذلك بقي قال فرفوريوس « 1 » ، وهو المفسر : إن هذا المرء الفاضل قال في « كتاب النفس » : إن العقل النفساني إذا اتصل بالعقل الأول الخالص كان عاقلا دائما ، ولم يكن عاقلا مرة ، ومرة غير عاقل ، فإذا فارق البدن كان أحرى أن تلزمه هذه الصفة ولا تفارقه ، وأما الآخر من الحس والنماء والتوهم والفكر فإنها كلها تبطل مع بطلان الجسم ، وذلك أنها أثر النفس في الجسم ، فإذا بطل الجسم وفارقته النفس بطلت هذه . وأما العقل فليس من قبل الجرم كان ، ولا من قبل النفس ، بل النفس كانت من أجله وصورتها وقال آخر : الرسم من حيز الحلو من حيز المر ، فاما الحريف والمر والعفص والحامض [ ما ] بينهما يعني بين الحلو والمر . قال : ويكاد يكون عدد صور الطعوم مثل عدد صور الألوان ، هذه سبعة وتلك سبعة ، فالطعم حلاوة ومرارة وملوحة ومزورة وحرافة وعفوصة وحموضة ، والألوان بياض وسواد وقتمة وخضرة واسما جوين وشقرة ولون السماء ، وأنكر أن تكون

--> ( 1 ) فرفوريوس : فيلسوف فاضل من أهل صور . ظهر في عهد دقلديانوس الروماني في حدود سنة 303 ميلادية ، وكان اسمه أولا أمونيوس ، ثم غير . له قدم راسخة في علوم الفلسفة . ومعرفة نادرة بكلام أرسطو ، وله شروح وتعليقات كثيرة على كتبه ، وهو صاحب كتاب إيساغوجى المشهور عند علماء الأزهر وغيرهم . وقد جعله كالمدخل إلى علم المنطق . ذكروا في سبب وضعه لهذا الكتاب أن كثيرا من طلاب العلم في الآفاق شكوا إليه استغلاق كلام أرسطو عليهم وعدم قدرتهم على فهمه فقال : كلام الحكيم يحتاج إلى مقدمة قصر عن فهمها طلبة زماننا لفساد أذهانهم . ثم صنف كتاب إيساغوجى . وقد ترجمه ابن المقفع . وشرحه يحيى النحوي ومتى بن يونس وأبو الفرج بن الطيب ، واختصره الكندي وأحمد بن الطيب السرخسي . ووضع له مقدمة لا بد منها حنين بن إسحاق . ولفرفوريوس غير هذا كتب أخرى منها كتاب في أخبار الفلاسفة وقصصهم وآرائهم