أبي حيان التوحيدي
333
المقابسات
القوى . وقال : الأشياء التي لزمتنا في هذا العالم فإن خلافها يلزمنا في ذلك العالم ، وذلك أن الذي يلزمنا هاهنا التمني والحس والروية ، ونحن هناك لا نتمنى ولا نحس ولا نروي ، فلذلك لا نقدر على أن نذكر ذلك العالم لا تحت التذكر ، وكل شئ هناك إنما يعلم ولا يذكر ، لأن الأشياء هناك حاضرة بحال واحدة ولم تكن ثم كانت ، لأن كان ويكون من باب الزمان ، والزمان أثر من آثار هذا العالم . والأشياء التي في العالم العقلي دائمة لا تتغير ولا تستحيل عن حالها ، وهي أفضل وأكرم من الدوام لأن الدوام بها كائن دواما ، ولم تكن هي دائمة الدوام ، وليس الدوام غيرها بل هي الدوام ، وذلك أن الصفة والموصوف هناك شئ واحد . قيل : فما حاجة النفس والعقل إلى العلة الأولى ؟ قال : حاجة المعلوم إلى العلة ، فإنه ليس من معلول طبيعي ولا صناعي تنقطع عنه علته إلا فسد وباد ، كالحي فإنه إذا فارقته حياته باد وفسد ، وكالنامى إذا فارقه النماء باد وفسد ، وكذلك الصناعات والتجارات والبناء . وقال : العقل الأول يدرك الأشياء بغتة ، والعقل الثاني أيضا يدركها بغتة ، إذا كان متحدا بالعقل الأول ، ولا تعوقه عنه الأشياء الهيولانية ، فإذا عاقته احتاج أن يتوصل بالمقاييس ويدرك بشيء بعد شيء ، وأيضا العقل الثاني بالوهم هو الذي عليه الأقدار والمسافات الجسمية ، وإنما كان الوهم كذلك لأنه يقبل آثار الجسم فيجسم الأشياء وينكر الصورة المجردة ، وأما إذا مال إلى العقل الأول اتحد به ، فإذا أدى إليه الوهم الآثار التي قبلها من الحس علمها علما عقليا ، وألقى عنها الاقدار والمسافات ، وذلك أنه يعلمها علما صوريا . وقال : للعقل النفساني طرفان ، أحدهما طرف الوهم ، والآخر طرف العقل الأول ، فأما إذا مال إلى الوهم كان فكرا وروية لا يلتبس عليه الوهم فيريد أن يتخلص ، وأما إذا مال إلى العقل الأول كان عقلا مدركا بلا روية ولا فكر ولا زمان ، فالفكر إنما هو العقل الوهمي والعقل النفساني المدرك بلا وهم ولا فكر ، ولا يقدر الوهم على أن يتوهم شيأ بلا شكل ولا قدر جرى