أبي حيان التوحيدي
332
المقابسات
تعارف أنفسنا الهيولانية فنكون كأنا نصير خالصة بتردداتنا ، فإذا رأينا ذاتنا استفدنا منها علوما شريفة ، وكنا نحن الناظر والمنظور إليه ، والعالم والمعلوم ، وقد قيل لأرسطو : لم لا نذكر العالم العلوي ، ومنه هبطنا إلى هذا العالم ؟ فقال : إنما صرنا لا نذكر العالم العلوي لأنا صرنا في هذا العالم الحسى واختلطنا بالأشياء الهيولانية وفارقنا ذلك العالم لأنا لا نقدر على أن نكون هناك وفينا لطخ من الأشياء الهيولانية ، فصرنا كأنا لم نصر هناك لاستيلاء الهيولى علينا ، وصرنا كأنا إنما بدئنا من هذا العالم لشدة ميلنا إليه وإلى الآثار التي كانت منه ، فان هذه الأشياء الهيولانية إنما هي آثارنا ، وذلك إن كانت النفس هي التي أثرت الآثار الحسية بمعرفة العقل وتسديده إياها ، وكنا نحن العقل فلا محالة أن هذه الآثار إنما هي آثارنا واختلطنا بها كنا ذاتا مكونين وكأننا آثار من آثارنا ، وإنما هي آثارنا لا نحن من آثارها ، وقال : إنما صرنا لا نذكر ذلك العالم لأنا قبل أن نصير في هذا العالم لم نكن أصحاب ذكر ، وذلك أن الأشياء هناك حاضرة ظاهرة ، وليس هناك مستقبل ولا ماض ، بل كلها حاضرة بحضورها الآن عندنا ، فلذلك لم نكن نحتاج إلى الذكر لأنا لم نكن من أبناء الزمان بل الزمان من أبنائنا ، لأنا كنا في حيز الدهر ، فحيث الدهر فليس هناك تذكر البتة ، وإنما نحتاج إلى التذكر في الأشياء الزمانية التي تكون مرة وقد لا تكون مرة ، فحيث التمني هناك التذكر ، فأما الموضع الذي ليس للتمنى فيه مساغ فليس هناك تذكر . وقال أيضا : الأشياء التي علمناها لم نعلمها في وقت من الأوقات فنحتاج إلى أن نذكرها ، بل قد علمناها بنوع الدهر لا بنوع الزمان . وقال أيضا : إنا قبل أن نتلطخ بأوساخ الهيولى ونحن في العالم الأعلى كنا علماء ولم نكن أصحاب ذكر ، ولم نكن نحتاج إلى أن نذكر ما قد علمنا ، لأن الأشياء قد علمناها حاضرة تحت أيدينا لا يغيب منها شئ ولا يستر ، وقال : كل أثر لزمنا في هذا العالم الحسى فإنه لا يلزمنا في ؟ ؟ ؟ وما أشبه هذه