أبي حيان التوحيدي
331
المقابسات
عقلا أولا ، ثم نظره إليه إنما هو استمداده من الصورة التي صورت فيه بديا ، لأنه وقع فيه جميع الصور ، فاستمداده ليس بزيادة صور لم تكن وكانت ، ولكنه ليبقى ويقوى كما يستمد الهواء من نور الشمس ، فهو يزداد من غير صورة تحدث فيه ، كذلك النفس إنما تستمد من العقل الصور وهي على حالها ، وكذلك الطبيعة تستمد من النفس وتقوى بها ، ولكن إشراقها عليها يبقى قواها ، ولولا ذلك لضعفت وانتقصت وقال : لنا علمان ، أحدهما علم محض ، كعلمنا بالأشياء الأوائل بلا روية ولا فكر ، كما نعلم أن عدد كل زوج أو فرد ، فإنه لا يمكن أن يكون الشئ الواحد في حالين مختلفين ، كالانسان لا يمكن أن يكون قائما قاعدا معا ، وكعلمنا أن كل متحرك من ذاته دائم الحركة ، وكقولنا كل دائم الحركة بجوهره دائم الحياة ، ولنا علم فكرى مثل علم القياس الذي يستنبط منه الشئ من شئ آخر ، كقولنا : الإنسان حي والجوهر حي ، فالإنسان إذا جوهر وقال قائل : إذا قويت الهيولى علينا لم نقو على وجدان الذي فينا إلا بطلب وبحرص وبسبح وغوص ، فإذا استولينا نحن على الهيولى وجدنا الشئ بأهون السعي لا بالجوهر . إذا كنا نحن نعقل العقل الأول وكانت الأشياء فيه وهي هو فكيف يمكن أن نتذكر الأشياء والأشياء فيها ، والتذكر إنما يكون في أثناء الأوقات لأنا ننسى في وقت ونذكر في وقت آخر ، وهناك الدهر لا الوقت وقال الفيلسوف « 1 » : الذكر إنما هو حركات الفكر على الوهم الحارى حتى يرد ما في خزانته على ما كانت الفكرة تحركت به وقال قائل : الفكرة إنما تقع على الشئ المفقود ، والعلم يقع على الشئ الموجود ، والأشياء في العقل الأول حاضرة أبدا قال : إذا أردنا أن نحس بأنفسنا فان نعلم العلوم الشريفة حرصنا على
--> ( 1 ) هو أرسطو