أبي حيان التوحيدي
32
المقابسات
الرقاد محلمة ، والهوى مقحمة ، وما منا أحد إلا له مقام معلوم ، وحق مشاع أو مقسوم ، ونبأ ظاهر أو مكتوم ؛ وإن أكيس الكيسى « 1 » من منح الشارد تألفا ، وقارب البعيد تلطفا ، ووزن كل أمر بميزانه ، ولم يخلط خبره بعيانه ، ولا قاس فتره بشبره ، دينا كان أو دنيا ، وضلالا كان أو هدى . ولا خير في علم معتمل في جهل ، ولا في معرفة مشوبة بنكر : ولسنا كجلدة رفغ البعير * بين العجان وبين الذّنب « 2 » كل صال فبناره يصلى ، وكل سيل فإلى قراره يجرى ، وما كان سكوت هذه العصابة إلى هذه الغاية لعىّ وحصر ، ولا كلامها اليوم لفرق وحذر . فقد جدع اللّه بمحمد ( صلى اللّه عليه وسلم ) أنف كل متكبر ، وقصم به ظهر كل جبار ، وسل لسان كل كذوب ، فما ذا بعد الحق إلا الضلال ؟ ما هذه الخنزوانة « 3 » [ التي ] في فراش رأسك ! وما هذا الشجا المعترض في مدارج أنفاسك [ ما هذه القذاة التي تغشت ناظرك ] وما هذه الوحرة التي أكلت شراسيفك « 4 » ! وما هذا الجرجس والدكس « 5 » اللذان يدلان على ضيق الباع وخور الطباع ؟ وما هذا الذي لبست بسببه جلد النمر ، واشتملت عليه بالشحناء والنكر ؟ لشدّ ما استسعيت لها وسريت سرى ابن أنقد « 6 » إليها ؟ إنّ العوان لا تعلم الخمرة « 7 »
--> ( 1 ) أكيس الكيسى : أحكم العقلاء ( 2 ) الرفغ باطن أصل الفخذ . والعجان ، ما تلا هذه الجلدة حتى أصل الذنب . يعنى أنهم ليسوا كذلك بل هم من المكانة والشرف بين الاحياء على الجانب الملحوظ بالعزة والكرامة ( 3 ) الخنزوانة : الكبر والعجرفة ( 4 ) الوحرة : يراد بها الحقد الكامن . والشراسيف : مقط الضلوع ( 5 ) الجرجس والدكس : لم أقف لهما على معنى . ولكن أراهما من نوع الوحرة التي هي عبارة عن حشرة ضارة . فهما من قبيلها ، وقد ذكر الجاحظ في كتاب الحيوان الجرجس في أنواع الهوام ( 6 ) ابن أنفد : هو القنفذ لأنه يسرى ليله كله طالبا صيده ( 7 ) أي إن المجرب غير محتاج لمن يعلمه